.

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوهابيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوهابيه. إظهار كافة الرسائل

بدايه ظهور الحركه الوهابيه


بدايه ظهور الحركه الوهابيه

كان ابتداء ظهور أمره في الشرق سنة 1143 هـ واشتهر أمره بعد 1150 هـ بنجد وقراها، توفي سنة 1206 هـ، وقد ظهر بدعوة ممزوجة بأفكار منه زعم أنها من الكتاب والسنة، وأخذ ببعض بدع تقي الدين أحمد بن تيمية فأحياها، وهي: تحريم التوسّل بالنبي، وتحريم السفر لزيارة قبر الرسول وغيره من الأنبياء والصالحين بقصد الدعاء هناك رجاء الإجابة من الله، وتكفير من ينادي بهذا اللفظ: يا رسول الله أو يا محمد أو يا علي أو يا عبد القادر أغثني أو بمثل ذلك إلا للحي الحاضر، وإلغاء الطلاق المحلوف به مع الحنث وجعله كالحلف بالله في إيجاب الكفارة، وعقيدة التجسيم لله والتحيز في جهة.

وابتدع من عند نفسه: تحريم تعليق الحروز التي ليس فيها إلا القرءان وذكر الله وتحريم الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان، وأتباعه يحرّمون الاحتفال بالمولد الشريف خلافا لشيخهم ابن تيمية.

قال الشيخ أحمد زيني دحلان مفتي مكة في أواخر السلطنة العثمانية في تاريخه تحت فصل فتنة الوهابية، (1): (كان في ابتداء أمره من طلبة العلم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان أبوه رجلا صالحا من أهل العلم وكذا أخوه الشيخ سليمان، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزغاته في كثير من المسائل، وكانوا يوبخونه ويحذّرون الناس منه، فحقق الله فراستهم فيه لما ابتدع ما ابتدعه من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين وخالف فيه أئمة الدين، وتوصل بذلك إلى تكفير المؤمنين فزعم أن زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) والتوسل به وبالأنبياء والأولياء والصالحين وزيارة قبورهم للتبّرك شرك، وأن نداء النبي (صلّى الله عليه وسلّم) عند التوسل به شرك، وكذا نداء غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين عند التوسل بهم شرك، وأن من أسند شيئا لغير الله ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركا نحو: نفعني هذا الدواء، وهذا الولي الفلاني عند التوسل به في شىء، وتمسك بأدلة لا تنتج له شيئًا من مرامه، وأتى بعبارات مزورة زخرفها ولبّس بها على العوام حتى تبعوه، وألف لهم في ذلك رسائل حتى اعتقدوا كفر كثر أهل التوحيد" اهـ.

إلى أن قال (2): "وكان كثير من مشايخ ابن عبد الوهاب بالمدينة يقولون: سيضل هذا أو يضل الله به من أبعده وأشقاه، فكان الأمر كذلك. وزعم محمّد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه إخلاص التوحيد والتبري من الشرك، وأن الناس كانوا على الشرك منذ ستمائة سنة، وأنه جدّد للناس دينهم، وحمل الايات القرءانية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)، (سورة الأحقاف/5). وكقوله تعالى ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) (سورة يونس/106)، وكقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) (سورة الرعد/14). وأمثال هذه الايات في القرءان كثيرة، فقال محمد بن عبد الوهاب: من استغاث بالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنه مثل هؤلاء المشركين ويدخل في عموم هذه الايات، وجعل زيارة قبر النبي(صلّى الله عليه وسلّم) وغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين مثل ذلك- يعني للتبرّك- وقال في قوله تعالى حكاية عن المشركين في عبادة الأصنام: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (سورة الزمر/3) إن المتوسلين مثل هؤلاء المشركين الذين يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (سورة الزمر/3)" اهـ.

ثم قال (3): "روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى ءايات نزلت في الكفار فحملوها على المؤمنين، وفي رواية عن ابن عمر أيضا أنه (صلّى الله عليه وسلّم) قال: "أخوف ما أخاف على أمتي رجل يتأول القرءان يضعه في غير موضعه" فهو وما قبله صادق على هذه الطائفة" اهـ.

ثم قال (4): "وممن ألف في الرد على ابن عبد الوهاب أكبر مشايخه وهو الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل (5)، فقال من جملة كلامه: "يا ابن عبد الوهاب إني أنصحك أن تكف لسانك عن المسلمين" اهـ.

ثم قال الشيخ أحمد زيني دحلان (6): "ويمنعون من الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) على المنائر بعد الأذان حتى إن رجلاً صالحا كان أعمى وكان مؤذنا وصلى على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم، فأتوا به إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل. ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق وفي هذا القدر كفاية" ا. هـ.

أقول: ويشهد لما ذكره من تكفيرهم من يصلي على النبي أي جهزا على المئاذن عقب الأذان ما حصل في دمشق الشام من أن مؤذن جامع الدقاق قال عقب الأذان كعادة البلد: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله جهرا، فكان وهابي في صحن المسجد فقال بصوت عال: هذا حرام هذا مثل الذي ينكح أمه، فحصل شجار بين الوهابية وبين أهل السنة وضرب، فرفع الأمر إلى مفتي دمشق ذلك الوقت وهو أبو اليسر عابدين فاستدعى المفتي زعيمهم ناصر الدين الألباني فألزمه أن لا يدرّس وتوعده إن خالف ما ألزمه بالنفي من البلاد.

وقال الشيخ أحمد زيني دحلان ما نصه (7): "كان محمد بن عبد الوهاب الذي ابتاع هذه البدعة يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبه: " ومن توسل بالنبي فقد كفر"، وكان أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من أهل العلم، فكان ينكر عليه إنكارا شديدا في كل ما يفعله أو يأمر به ولم يتبعه في شىء مما ابتدعه، وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب؟ فقال خمسة، فقال: أنت ججلتها ستة، السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم هذا عندك ركن سادس للإسلام. وقال رجل ءاخر يوما لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف، وفي ءاخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم يبلغ من اتبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن اتبعك، فبهت الذي كفر. ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة المنورة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها له فلم ينته. وألف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الرد عليه وأرسلوها له فلم ينته. وقال له رجل ءاخر مرة وكان رئيسا على قبيلة بحيث إنه لا يقدر أن يسطو عليه: ما تقول إذا أخبرك رجل صادق ذو دين وأمانة وأنت تعرف صدقه بأن قومًا كثيرين قصدوك وهم وراء الجبل الفلاني فأرسلت ألف خيال ينظرون القوم الذين وراء الجبل فلم يجدوا أثرًا ولا أحدا منهم، بل ما جاء تلك الأرض أحد منهم أتصدق الألف أم الواحد الصادق عندك؟ فقال: أصدق الألف، فقال له: إن جميع المسلمين من العلماء الأحياء والأموات في كتبهم يكذّبون ما أتيت به ويزيفونه فنصدقهم ونكذبك، فلم يعرف جوابا لذلك. وقال له رجل ءاخر مرة: هذا الدين الذي جئت به متصل أم منفصل؟ فقال له حتى مشايخي ومشايخهم إلى ستمائة سنة كلهم مشركون، فقال له الرجل: إذن دينك منفصل لا متصل، فعمّن أخذته؟ فقال: وحي إلهام كالخضر، فقال له: إذن ليس ذلك محصورًا فيك، كل أحد يمكنه أن يدعي وحي الإلهام الذي تدعيه، ثم 
قال له: إن التوسل مجمع عليه عند أهل السنة حتى ابن تيمية فإنه ذكر فيه وجهين ولم يذكر أن فاعله يكفر". اهـ.

ويعني بالستمائة سنة القرن الذي كان فيه ابن تيمية وهو السابع إلى الثامن الذي توفي فيه ابن تيمية إلى القرن الثاني عشر. وهي التي كان يقول فيها ابن عبد الوهاب إن الناس فيها كانوا مشركين وإنه هو الذي جاء بالتوحيد ويعتبر ابن تيمية جاء بقريب من دعوته في عصره، كأنه يعتبره قام في عصر انقرض فيه الإسلام والتوحيد فدعا إلى التوحيد وكان هو التالي له في عصره الذي كان فيه وهو القرن الثاني عشر الهجري. فهذه جرأة غريبة من هذا الرجل الذي كقر مئات الملايين من أهل السنّة وحصر الإسلام في أتباعه، وكانوا في عصره لا يتجاوز عددهم نحو المائة ألف. وأهل نجد الحجاز الذي هو وطنه لم يأخذ أكثرهم بعقيدته في حياته وإنما كان الناس يخافون منه لما علموا من سيرته لأنه كان يسفك دماء من لم يتبعه. وقد وصفه بذلك الأمير الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام فقال فيه أولا قبل أن يعرف حاله قصيدة أؤّلها:

سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

وهذه القصيدة مذكورة في ديوانه وهو مطبوع، وتمامها أيضا في البدر الطالع للشوكاني والتاج المكلل لصديق خان فطارت كل مطار، ثم لما بلغه ما عليه ممدوحه من سفك الدماء ونهب الأموال والتجرىء على قتل النفوس ولو بالاغتيال وإكفار الأمة المحمدية في جميع الأقطار رجع عن تأييده وقال:

رجعت عن القول الذي قلت في النجدي فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي

ظننت به خيرا فقلت عسى عسى نجد ناصحًا يهدي العباد ويستهدي

لقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا وما كل ظن للحقائق لي يهدي

وقد جاءنا من أرضه الشيخ مِربَدُ فحقّق من أحواله كل ما يبدي

وقد جـاء من تأليفه برسائل يكفر أهل الأرض فيها على عمد

ولفق في تكفيرهم كل حجة تراها كبيت العنكبوت لدى النقد

إلىءاخر القصيدة، ثم شرحها شرحًا يكشف عن أحوال محمد بن عبد الوهاب من الغلوّ والإسراف في القتل والنهب ويرد عليه، وسمى كتابه: "إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب ".

وقد ألف أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب رسالة في الرد على أخيه كما ذكرنا سمّاها "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية"، وهي مطبوعة، وأخرى سماها "فصل الخطاب في الرد على محمّد بن عبد الوهاب ".

قال مفتي الحنابلة بمكة المتوفى سنة 1295 هـ الشيخ محمد بن عبد الله النجدي الحنبلي في كتابه "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" في ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان ما نصّه (8): "وهو والد محمّد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الافاق، لكن بينهما تباين مع أن محمدًا لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده، وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبد الوهاب هذا أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر، فكان يقول للناس: يا ما ترون من محمد من الشر، فقدّر الله أن صار ما صار، وكذلك ابنه سليمان أخو الشيخ محمد كان منافيًا له في دعوته ورد عليه ردًا جيدا بالآيات والآثار لكون المردود عليه لا يقبل سواهما ولا يلتفت إلى كلام عالم متقدمًا أو متأخرا كائنا من كان غير الشيخ تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن القيم فإنه يرى كلامهما نصّا لا يقبل التأويل ويصول به على الناس وإن كان كلامهما على غير ما يفهم، وسمى الشيخ سليمان رده على أخيه "فصل الخطاب في الرد على محمّد بن عبد الوهاب" وسلّمه الله من شرّه ومكره مع تلك الصولة الهائلة التي أرعبت الأباعد، فإنه كان إذا باينه أحد ورد عليه ولم يقدر على قتله مجاهرة يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلا لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله، وقيل إن مجنونًا كان في بلدة ومن عادته أن يضرب من واجهه ولو بالسلاح، فأمر محمدٌ أن يعطى سيفًا ويدخل على أخيه الشيخ سليمان وهو في المسجد وحده، فأدخل عليه فلما رءاه الشيخ سليمان خاف منه فرمى المجنون السيف من يده وصار يقول: يا سليمان لا تخف إنك من الآمنين ويكررها مرارا، ولا شك أن هذه من الكرامات ". اهـ.


وقول مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن عبد الله النجدي إن أبا محمّد بن عبد الوهاب كان غاضبا عليه لأنه لم يهتم بالفقه معناه أنه ليس من المبرزين بالفقه ولا بالحديث، إنما دعوته الشاذة شهرته، ثم أصحابه غلوا في محبته فسموه شيخ الإسلام والمجدّد، فتبًا لهم وله، فليعلم ذلك المفتونون والمغرورون به لمجرد الدعوة، فلم يترجمه أحد من المؤرخين المشهورين في القرن الثاني عشر بالتبريز في الفقه ولا في الحديث.

قال ابن عابدين الحنفي في ردّ المحتار ما نصّه (9): "مطلب في أتباع ابن عبد الوهاب الخوارج في زماننا: قوله: "ويكفرون أصحاب نبينا (صلّى الله عليه وسلّم)" علمت أن هذا غير شرط في مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، والا فيكفي فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليه، كما وقع في زماننا في أتباع محمد بن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلّبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنّة قتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكرالمسلمين عام ثلاث وثلائين ومائين وألف". اهـ.

وقال الشيخ أحمد الصاوي المالكي في تعليقه على الجلالين ما نصه (10): "وقيل هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنهم على شىء ألا انهم هم الكاذبون، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم " اهـ.

أئمة من المذاهب الأربعة ردوا على الوهابية وبينوا شذوذهم عن أهل السنة

:1-مفتي الشافعية بمكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304 هـ

2-مفتي الحنابلة بمكة المكرمة الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد النجدي المتوفى سنة 1295 هـ

3-الشيخ ابن عابدين الحنفي المتوفى سنة 1252 هـ

4-الشيخ احمد الصاوي المالكي المتوفى سنة 1241 هـ


(1) الفتوحات الاسلامية (2/ 66).

(2) أنظر الكتاب (2/ 67).

(3) أنظر الكتاب (2/ 68).

(4) أنظر الكتاب (2/ 69).

(5) متن مشهور في المذهب الشافعي لعبد الله بن عبد الرحمن بَافَضْل الحضرمي، واسم شرح ابن حجر هو المنهج القويم في مسائل التعليم.

(6) أنظر الكتاب (2/ 77).

(7) الدرر السنية في الرد على الوهابية (ص/ 42- 43).

(8) أنظر السحب الوابلة على ضرانح الحنابلة (ص/ 275).

(9) رد المحتار على الدر المختار (4/ 262) كتاب البغاة.

(10) مرءاة النجدية (ص/ 86)

.

عندما يفضح الصحفي الكبير هيكل الوهابيه!

هل من مزيد..........؟؟
.

فتنه الوهابيه



بسم الله الرحمن الرحيم



فتنة الوهابية

ترجمة المؤلف

هو أحمد بن زين بن أحمد دحلان المكي، الشافعي، فقيه، مؤرخ، شارك في أنواع من العلوم، مفتي السادة الشافعية بمكة المعظمة، وشيخ الإسلام. ولد بمكة سنة 1231هـ وتوفي بالمدينة في المحرم سنة 1304هـ. له مؤلفات كثيرة مطبوعة متداولة منها: الأزهار الزينية في شرح متن الألفية، وتاريخ الدول الإسلامية بالجداول المرضية، وفتح الجواد المنان على العقيدة المسماة بفيض الرحمن، والدرر السنيّة في الرد على الوهابية، ونهل العطشان على فتح الرحمن، في تجويد القرءان، وخلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام، والفتوحات الإسلامية، إلى غير ذلك. ومنها هذا الكتيب الذي بين يدي القارىء، ءاملين أن يستفيد القراء منه والله من وراء القصد.

فتنة الوهابية

اعلم أن السلطان سليم الثالث (1204- 1222هـ) حدث في مدة سلطنته فتن كثيرة منها ما تقدم ذكره، ومنها فتنة الوهابية التي كانت في الحجاز حتى استولوا على الحرمين ومنعوا وصول الحج الشامي والمصري، ومنها فتنة الفرنسيس لما استولوا على مصر من سنة ثلاث عشرة (1213) إلى سنة ست عشرة (1216) ولنذكر ما يتعلق بهاتين الفتنتين على سبيل الاختصار لأن كلاً منهما مذكور تفصيلاً في التواريخ وأفرد كل منهما بتأليف رسائل مخصوصة، أما فتنة الوهابية فكان ابتداء القتال فيها بينهم وبين أمير مكة مولانا الشريف غالب بن مساعد وهو نائب من جهة السلطنة العليَّة على الأقطار الحجازية وابتداء القتال بينهم وبينه من سنة خمس بعد المائتين والألف وكان ذلك في مدة سلطنة مولانا السلطان سليم الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث بن أحمد (وأما ابتداء أول ظهور الوهابية) فكان قبل ذلك بسنين كثيرة وكانت قوتهم وشوكتهم في بلادهم أولاً، ثم كثر شرهم وتزايد ضررهم واتسع ملكهم وقتلوا من الخلائق ما لا يحصون واستباحوا أموالهم وسبوا نساءهم وكان مؤسس مذهبهم الخبيث 
محمد بن عبد الوهاب وأصله من المشرق من بني تميم وكان من المعمرين فكاد يعد من المنظرين لأنه عاش قريب مائة سنة حتى انتشر عنه ضلالهم، كانت ولادته سنة ألف ومائة وإحدى عشرة وهلك سنة ألف ومائتين، وأرخه بعضهم بقوله:

(بدا هلاك الخبيث) 1206

وكان في ابتداء أمره من طلبة العلم بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وكان أبوه رجلاً صالحًا من أهل العلم وكذا أخوه الشيخ سليمان، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزعاته في كثير من المسائل، وكانوا يوبخونه ويحذرون الناس منه فحقق الله فراستهم فيه لما ابتدع من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين وخالف فيه أئمة الدين وتوصل بذلك إلى تكفير المؤمنين فزعم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل به وبالأنبياء والأولياء والصالحين وزيارة قبورهم شرك، وأن نداء النبي صلى الله عليه وسلم عند التوسل بهم شرك، وكذا نداء غيره من الأنبياء والأولياء الصالحين عند التوسل بهم شرك، وأن من أسند شيئًا لغير الله ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركًا نحو نفعني هذا الدواء، وهذا الولي الفلاني عند التوسل به في شىء. وتمسك بأدلة لا تنتج له شيئًا من مرامه، وأتى بعبارات مزورة زخرفها ولبَّسَ بها على العوام حتى تبعوه، وألف لهم في ذلك رسائل حتى اعتقدوا كفر أكثر أهل التوحيد، واتصل بأمراء المشرق أهل الدرعية ومكث عندهم حتى نصروه وقاموا بدعوته وجعلوا ذلك وسيلة إلى تقوية ملكهم واتساعه، وتسلطوا على الأعراب وأهل البوادي حتى تبعوهم وصاروا جندًا لهم بلا عوض وصاروا يعتقدون أن من لم يعتقد ما قاله ابن عبد الوهاب فهو كافر مشرك مهدر الدم والمال، وكان ابتداء ظهور أمره سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين، وابتداء انتشاره من بعد الخمسين ومائة وألف. وألّف العلماء رسائل كثيرة للرد عليه حتى أخوه الشيخ سليمان وبقية مشايخه وكان ممن قام بنصرته وانتشار دعوته من أمراء المشرق محمد بن سعود أمير الدرعية وكان من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، ولما مات محمد بن سعود قام بها ولده عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكان كثير من مشايخ ابن عبد الوهاب بالمدينة يقولون سيضل هذا أو يضل الله به من أبعده وأشقاه فكان الأمر كذلك، وزعم محمد بن عبد الوهاب أن مراده بهذا المذهب الذي ابتدعه إخلاص التوحيد والتبري من الشرك وأن الناس كانوا على شرك منذ ستمائة سنة وأنه جدد للناس دينهم وحمل الآيات القرءانية التي نزلت في المشركين على أهل التوحيد كقوله تعالى: {ومن أضلّ ممن يدعو من دونِ اللهِ من لا يستجيبُ لهُ إلى يومِ القيامةِ وهم عن دُعائهم غافلون} وكقوله تعالى {ولا تدعُ من دونِ اللهِ ما لا ينفعكَ ولا يضرُّك} وكقوله تعالى {والذينَ يدعونَ من لا يستجيبُ لهم إلى يومِ القيامة} وأمثال هذه الآيات في 
القرآن كثيرة، فقال محمد بن عبد الوهاب من استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو ناداه أو سأله الشفاعة فإنه مثل هؤلاء المشركين ويدخل في عموم هذه الآيات، وجعل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين مثل ذلك، وقال في قوله تعالى حكاية عن المشركين في عبادة الأصنام {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} إن المتوسلين مثل هؤلاء المشركين الذين يقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} قال:"فإن المشركين ما اعتقدوا في الأصنام أنها تخلق شيئًا بل يعتقدون أن الخالق هو الله تعالى بدليل قوله تعالى: {ولئنْ سألتهم من خلقهُم ليقولنَّ الله} و {ولئنْ سألتهم من خلقَ السمواتِ والأرضَ ليقولنَّ الله} فما حكم الله عليهم بالكفر والإشراك إلا لقولهم ليقربونا إلى الله زلفى فهؤلاء مثلهم".

وما ردوا به عليه في الرسائل المؤلفة للرد عليه أن هذا استدلال باطل فإن المؤمنين ما اتخذوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا الأولياء ءالهة وجعلوهم شركاء لله بل إنهم يعتقدون أنهم عبيد الله مخلوقون ولا يعتقدون أنهم مستحقون العبادة. وأما المشركون الذين نزلت فيهم هذه الآيات فكانوا يعتقدون استحقاق أصنامهم الألوهية ويعظمونها تعظيم الربوبية وإن كانوا يعتقدون أنها لا تخلق شيئًا، وأما المؤمنون فلا يعتقدون في الأنبياء والأولياء استحقاق العبادة والألوهية ولا يعظمونهم تعظيم الربوبية، بل يعتقدون أنهم عباد الله وأحباؤه الذين اصطفاهم واجتباهم وببركتهم يرحم عباده فيقصدون بالتبرك بهم رحمة الله تعالى، ولذلك شواهد كثيرة من الكتاب والسنة. فاعتقاد المسلمين أن الخالق الضار والنافع المستحقّ العبادة هو الله وحده ولا يعتقدون التأثير لأحد سواه، وأن الأنبياء والأولياء لا يخلقون شيئًَا ولا يملكون ضرًّا ولا نفعًا وإنما يرحم اللهُ العبادَ ببركتهم. فاعتقاد المشركين استحقاق أصنامهم العبادة والألوهية هو الذي أوقعهم في الشركِ لا مجرد قولهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله)، لأنهم لما أقيمت عليهم الحجة بأنها لا تستحق العبادة وهم يعتقدون استحقاقها العبادة قالوا معتذرين (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فكيف يجوز لابن عبد الوهاب ومن تبعه أن يجعلوا المؤمنين الموحدين مثل أولئك المشركين الذين يعتقدون ألوهية الأصنام؟!

فجميع الآيات المتقدمة وما كان مثلها خاصّ بالكفار والمشركين ولا يدخل فيه أحد من المؤمنين. روى البخاريّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى ءايات نزلت في الكفار فحملوها على المؤمنين، وفي رواية عن ابن عمر أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال :"أخوَفُ ما أخاف على أمّتي رجل يتأوّل القرءان بصنعه في غير موضعه" فهو وما قبله صادق على هذه الطائفة. ولو كان شىء مما صنعه المؤمنون من التوسل وغيره شركًا ما كان يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وخلفها. ففي الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان من دعائه :"اللهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك" وهذا توسّل لا شكّ فيهِ وكان يُعلّم هذا الدّعاء أصحابَه ويأمرهم بالإتيانِ به، وبسط ذلكَ طويل مذكور في الكتب وفي الرسائل التي في الردّ على ابن عبد الوهاب. وصحّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ رضي الله عنها ألحدها صلى الله عليه وسلم في القبر بيده الشريفة وقال :"اللهمَّ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسّعْ عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي إنك أرحم الراحمين" وصح أنّه صلى الله عليه وسلم سأله أعمى أن يردّ اللهُ بصرَه بدعائِه فأمره بالطهارةِ وصلاة ركعتين ثم يقول :"اللهمَّ إني أسألُك وأتوجّه إليكَ بنبيّك محمد نبيّ الرحمةِ يا محمّد إنّي أتوجه بكَ إلى ربي في حاجتي لتُقضى اللهمَّ شفّعه فيَّ" ففعل فرد اللهُ عليه بصره، وصحّ أن ءادمَ عليه السلام توسّل بنبيّنا صلى الله عليه وسلم حين أكل من الشجرةِ لأنّه لما رأى اسمَه صلى الله عليه وسلم مكتوبًا على العرشِ وعلى غرف الجنة وعلى جباه الملائكة سأل عنه فقال الله له: هذا ولد من أولادك. فقال اللهمّ بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد فنودي يا ءادمُ لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماء والأرض لشفعناك. وتوسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنه لما استسقى الناس وغير ذلك مما هو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بذكره والتوسل الذي في حديث الأعمى قد استعمله الصحابة السلف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وفيه لفظ "يا محمَّد"، وذلك نداء عند المتوسل. ومن تتبع كلام الصحابةِ والتابعين يجد شيئًا كثيرًا من ذلكَ كقول بلال بن الحارث الصحابي رضي الله عنهُ عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم :"يا رسول الله استسق لأمّتك" كالنداء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور.

وممن ألف في الرد على ابن عبد الوهاب أكبر مشايخه وهو الشيخ محمد ابن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل فقال من جملة كلامه: يا ابن عبد الوهاب إني أنصحك لله تعالى أن تكف لسانك عن المسلمين فإن سمعتَ من شخص أنه يعتقد تأثير ذلكَ المستغاث به من دون الله فعرفه الصواب وأبِنْ له الأدلة على أنه لا تأثير لغير الله فإن أبى فكفره حينئذ بخصوصه ولا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين، وأنت شاذ عن السواد الأعظم فنسبة الكفر إلى من شذ عن السواد الأعظم أقرب لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين. قال تعالى :{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصلِه جهنّم وساءت مصيرًا} وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.اهـ.

وأما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد فعلها الصحابةُ رضي الله عنهم ومن بعدهم من السلف والخلف وجاء في فضلها أحاديث أفردت بالتأليف، ومما جاء في النداء لغير الله تعالى من غائب وميت وجماد قوله صلى الله عليه وسلم :"إذا أفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله أحبسوا فإن لله عبادًا يجيبونه" وفي حديث ءاخر :"إذا أضلّ أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرضٍ ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني" وفي رواية "أغيثوني"، "فإن لله عبادًا لا ترونهم". وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال :"يا أرض، ربي وربك الله" وكان صلى الله عليه وسلم إذا زار قال :"السلام عليكم يا أهل القبور" وفي التشهد الذي يأتي به كل مسلم في كل صلاة صورة النداء في قوله :"السلام عليك أيها النبيّ". والحاصل أن النداء والتوسل ليس في شىء منهما ضرر إلا إذا اعتقدَ التأثير لمن ناداه أو توسل به، ومتى كان معتقدًا أن التأثير لله لا لغير الله فلا ضرر في ذلك، وكذلكَ إسناد فعل من الأفعال لغير الله لا يضرّ إلا إذا اعتقدَ التأثير، ومتى لم يعتقد التأثير فإنه يُحمل على المجاز العقليّ كقوله: نفعني هذا الدواء أو فلان الوليّ، فهو مثل قوله: أشبعني هذا الطعام، وأرواني هذا الماء، وشفاني هذا الدواء. فمتى صدر ذلك من مسلم فإنه يحمل على الإسناد المجازي والإسلام قرينة كافية في ذلكَ فلا سبيل إلى تكفير أحد بشىء من ذلكَ، ويكفي هذا الذي ذكرناه إجمالاً في الرد على ابن عبد الوهاب ومن أراد بسط الكلام فليرجع إلى الرسائل المؤلفة في ذلكَ وقد لخصت ما فيها في رسالة مختصرة فلينظرها من أرادها.

ولما قام ابن عبد الوهاب ومن أعانه بدعوتهم الخبيثة التي كفروا بسببها المسلمين ملكوا قبائل الشرق قبيلة بعد قبيلة، ثم اتسع ملكهم فملكوا اليمن والحرمين وقبائل الحجاز وبلغ ملكهم قريبًا من الشام، فإن ملكهم وصل إلى المزيريب وكانوا في ابتداء أمرهم أرسلوا جماعة من علمائهم ظنًا منهم أنهم يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الشبهة بالكذب والمين، فلما وصلوا إلى الحرمين وذكروا لعلماء الحرمين عقائدهم وما تملكوا به، رد عليهم علماء الحرمين وأقاموا عليهم الحجج والبراهين التي عجزوا عن دفعها، وتحقق لعلماء الحرمين جهلهم وضلالهم ووجدوهم ضحكة ومسخرة، كحمر مستنفرة، فرَّت من قسورة ونظروا إلى عقائدهم فوجدوها مشتملة على كثير من المكفرات، فبعد أن أقاموا البرهان عليهم كتبوا عليهم حجة عند قاضي الشرع بمكة تتضمن الحكم بكفرهم بتلك العقائد ليشتهر بين الناس أمرهم، فيعلم بذلك الأول والآخر، وكان ذلك في مدة إمارة الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد المتوفى سنة خمس وستين ومائة ألف، وأمر بحبس أولئك الملحدة فحبسوا وفرَّ بعضهم إلى الدرعية فأخبرهم بما شاهدوا فازدادوا عتوًّا واستكبارًا وصار أمراء مكة بعد ذلك يمنعون وصولهم للحج فصاروا يغيرون على بعض القبائل الداخلين تحت طاعة أمير مكة، ثم انتشب القتال بينهم وبين أمير مكة مولانا الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن سعد بن زيد، وكان ابتداء القتال بينهم وبينه من سنة خمس بعد المائتين والألف ووقع بينهم وبينه وقائع كثيرة قتل فيها خلائق كثيرون ولم يزل أمرهم يقوى وبدعتهم تنتشر إلى أن دخل تحت طاعتهم أكثر القبائل والعربان الذين كانوا تحت طاعة أمير مكة.

وفي سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف ساروا بجيوش كثيرة حتى نازلوا الطائف وحاصروا أهله في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، ثم تملكوهُ وقتلوا أهله رجالاً ونساءً وأطفالاً ولا نجا منهم إلا القليل، ونهبوا جميع أموالهم ثم أرادوا المسير إلى مكة، فعلموا أن مكة في ذلك الوقت فيها كثير من الحجاج، ويقدم إليها الحاج الشامي والمصري فيخرج الجميع لقتالهم فمكثوا في الطائف إلى أن انقضى شهر الحج، وتوجه الحجاج إلى بلادهم وساروا بجيوشهم يريدون مكة ولم يكن للشريف غالب قدرة على قتال جيوشهم، فنزل إلى جدة فخاف أهل مكة أن يفعل الوهابية معهم مثل ما فعلوا مع أهل الطائف فأرسلوا إليهم وطلبوا منهم الأمان لأهل مكة، فأعطوهم الأمان ودخلوا مكة ثامن محرم من السنة الثامنة عشرة بعد المائتين والألف ومكثوا أربعة عشر يومًا يستتيبون الناس ويجددون لهم الإسلام على زعمهم، ويمنعونهم من فعل ما يعتقدون أنه شرك كالتوسل وزيارة القبور، ثم ساروا بجيوشهم إلى جدة لقتال الشريف غالب، فلما أحاطوا بجدة رمى عليهم بالمدافع والقلل فقتل كثيرًا منهم ولم يقدروا على تملك جدة فارتحلوا بعد ثمانية أيام، ورجعوا إلى بلادهم وجعلوا لهم عسكرًا بمكة وأقاموا لهم أميرًا فيها وهو الشريف عبد المعين أخو الشريف غالب، وإنما قبل أمرهم ليرفق بأهل مكة ويدفع ضرر أولئك الأشرار عنهم، وفي شهر ربيع الأول من السنة المذكورة سار الشريف غالب من جدة ومعه وإلى جدة من طرف السلطنة العلية وهو شريف باشا ومعهما العساكر فوصلوا إلى مكة وأخرجوا من كان بها من عساكر الوهابية ورجعت إمارة مكة للشريف غالب ثم بعد ذلك تركوا مكة واشتغلوا بقتال كثير من القبائل، وصار الطائف بأيديهم وجعلوا عليه أميرًا (عثمان المضايفي) فصار هو وبعض جنودهم يقاتلون القبائل التي في أطراف مكة والمدينة ويدخلونهم في طاعتهم حتى استولوا عليهم وعلى جميع الممالك التي كانت تحت طاعة أمير مكة، فتوجه قصدهم بعد ذلك للاستيلاء على مكة فساروا بجيوشهم سنة عشرين وحاصروا مكة وأحاطوا بها من جميع الجهات وشددوا الحصار عليها وقطعوا الطرق ومنعوا الميرة عن مكة، فاشتد الحصار على أهل مكة حتى أكلوا الكلاب لشدة الغلاء وعدم وجود القوت، فاضطر الشريف غالب إلى الصلح معهم وتأمين أهل مكة فوسط أناسًا بينه وبينهم فعقدوا الصلح على شروط فيها رفق بأهل مكة، فمن تلك الشروط أن إمارة مكة تكون له فتم الصلح ودخلوا مكة في أواخر ذي القعدة سنة عشرين وتملكوا المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وانتهبوا الحجرة وأخذوا ما فيها من الأموال، وفعلوا أفعالاً شنيعة، وجعلوا على المدينة أميرًا منهم "مبارك بن مضيان"، واستمر حكمهم في الحرمين سبع سنين ومنعوا دخول الحج الشامي والمصري مع المحامل مكة، وصاروا يصنعون للكعبة المعظمة ثوبًا من العباء القيلان الأسود، وأكرهوا الناس على الدخول في دينهم ومنعوهم من شرب التنباك ومن فعل ذلك وأطّلعوا عليه عزروه بأقبح التعزير، وهدموا القبب التي على قبور الأولياء.

وكانت الدولة العثمانية في تلك السنين في ارتباك كثير وشدة قتال مع النصارى، وفي اختلاف في خلع السلاطين وقتلهم كما سنقف عليه إن شاء الله تعالى، ثم صدر الأمر السلطاني (من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلطان محمود خان ثاني بن عبد الحميد خان أول سلطان أحمد) لصاحب مصر محمد علي باشا بالتجهيز لقتال الوهابية وكان ذلك في سنة 1226 فجهز محمد علي باشا جيشًا فيه عساكر كثيرة جعل عليهم بفرمان سلطان ولده طوسون باشا فخرجوا من مصر في رمضان من السنة المذكورة ولم يزالوا سائرين برًا وبحرًا حتى وصلوا إلى ينبع فملكوه من الوهابية، ثم لما وصلت العساكر إلى الصفرا والحديدة وقع بينهم وبين العرب الذين في الحربية قتال شديد بين الصفرا والحديدة وكانت تلك القبائل كلها في طاعة الوهابي وانضم إليها قبائل كثيرة فهزموا ذلك الجيش وقتلوا كثيرًا منهم وانتهبوا جميع ما كان معهم وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 26، ولم يرجع من ذلك الجيش إلى مصر إلا القليل فجهز جيشًا غيره سنة سبع وعشرين وعزم محمد علي باشا على التوجه إلى الحجاز بنفسه، وتوجهت العساكر قبله في شعبان في غاية القوة والاستعداد وكان معهم من المدافع ثمانية عشر مدفعًا وثلاثة قنابل فاستولت العساكر على ما كان بيد الوهابية وملكوا الصفراء والحديدة وغيرهما في رمضان بلا قتال، بل بالمخادعة ومصانعة العرب بإعطاء الدراهم الكثيرة حتى أنهم أعطوا شيخ مشايخ حرب مائة ألف ريال، وأعطوا شيخًا من صغار المشايخ حرب أيضًا ثمانية عشر ألف ريال ورتبوا لهم علائف تصرف لهم كل شهر، وكان ذلك كله بتدبير شريف مكة الشريف غالب وهو في الظاهر تحت طاعة الوهابي، وأما المرة الأولى التي هزموا فيها فلم يكونوا كاتبوا الشريف غالب في ذلك حتى يكون الأمر بتدبيره، ودخلت العساكر المدينة المنورة في أواخر ذي القعدة، ولما جاءت الأخبار إلى مصر صنعوا زينة ثلاثة أيام وأكثروا من الشنك وضرب المدافع وأرسلوا بشائر لجميع ملوك الروم واستولت العساكر السائرة من طريق البحر على جدة في أوائل المحرم سنة ثمان وعشرين، ثم طلعوا إلى مكة واستولوا عليها أيضًا، وكل ذلك بلا قتال بتدبير الشريف سرًّا، ولما وصلت العساكر إلى جدة فرَّ من كان بمكة من عساكر الوهابية وأمرائهم، وكان سعود أمير الوهابية حج في سنة سبع وعشرين ثم ارتحل إلى الطائف، ثم إلى الدرعية ولم يعلم باستيلاء العساكر السلطانية على المدينة إلا بعد ذلك، ثم لما وصل إلى الدرعية علم باستيلائهم على مكة ثم الطائف ولما وصلت العساكر إلى جدة ومكة فر من الطائف أميرها عثمان المضايفي، وفر من كان بها من عساكر الوهابية وأمرائهم.

وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وعشرين أرسل محمد علي باشا مبشرين إلى دار السلطنة ومعهم المفاتيح وكتبوا إليهم أنها مفاتيح مكة والمدينة وجدة والطائف فدخلوا بها دار السلطنة بموكب حافل ووضعوا المفاتيح على صفائح الذهب والفضة وأمامهم البخورات في مجامر الذهب والفضة وخلفهم الطبول والزمور وعملوا لذلك زينة وشنكًا ومدافع وخلعوا على من جاء بالمفاتيح وزادوا في رتبة محمد علي باشا، وبعثوا له أطواخًا وعدة أطواخ بولايات لمن يختار تقليده، وفي شهر شوال سنة ثمان وعشرين توجه محمد علي باشا بنفسه إلى الحجاز وقبل توجهه من مصر قبض الشريف غالب على عثمان المضايفي الذي كان أميرًا على الطائف للوهابية، وكان من أهل أكبر أعوانهم وأمرائهم فزنجره بالحديد وبعثه إلى مصر فوصل في ذي القعدة بعد توجه الباشا إلى الحجاز، ثم أرسل إلى دار السلطنة فقتلوه ووصل محمد علي باشا في ذي القعدة إلى مكة وقبض على الشريف غالب بن مساعد وبعثه إلى دار السلطنة وأقام لشرافة مكة ابن أخيه الشريف يحيي بن سرور بن مساعد، وفي شهر محرم من سنة 29 بعثوا إلى السلطنة مبارك بن مضيان الذي كان أميرًا على المدينة المنورة للوهابية، فطافوا به في القسطنطينية في موكب ليراه الناس ثم قتلوه وعلقوا رأسه على باب السرايا، وفعل مثل ذلك بعثمان المضايفي، وأما الشريف غالب فأرسلوه إلى سلانيك وبقي بها مكرمًا إلى أن توفي سنة إحدى وثلاثين ودفن بها وبني عليه قبة تزار، ومدة إمارته على مكة ست وعشرون سنة. ثم إن محمد علي باشا وجه كثيرًا من العساكر إلى تربة وبيشة وبلاد غامد وزهران وبلاد عسير لقتال طوائف الوهابية وقطع دابرهم، ثم سار بنفسه في أثرهم في شعبان سنة تسع وعشرين ووصل إلى تلك الديار وقتل كثيرًا منهم وأسر كثيرًا وخرب ديارهم، وفي شهر جمادى الأولى سنة تسع وعشرين هلك سعود أمير الوهابية وقام بالمُلْك بعده ولده عبد الله ورجع محمد علي باشا من تلك الديار التي وصلها من ديار الوهابية عند إقبال الحج، وحج ومكث بمكة إلى رجب سنة ثلاثين ثم توجه إلى مصر وترك بمكة حسن باشا، ووصل الباشا إلى مصر في منتصف رجب سنة ثلاثين ومائتين وألف، فتكون إقامته بالحجاز سنة وسبعة أشهر، وما رجع إلى مصر إلا بعد أن مهد أمور الحجاز، وأباد طوائف الوهابية التي كانت منتشرة في جميع قبائل الحجاز والشرق وبقي منهم بقية بالدرعية أميرهم عبد الله بن سعود فجهز محمد علي باشا لقتاله جيشًا وأرسله تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا، وكان عبد الله بن سعود قبل ذلك يكاتب مع طوسون باشا بن محمد علي باشا حين كان بالمدينة وعقد معه صلحًا على بقاء إمارته ودخوله تحت طاعة محمد علي باشا، فلم يرض محمد علي باشا بهذا الصلح فجهز ولده إبراهيم باشا وجعل أمر العساكر إليه، وكان ابتداء ذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين فوصل إلى الدرعية سنة اثنتين وثلاثين ونازل بجيوشه عبد الله بن سعود في ذي القعدة سنة 33، ولما جاءت الأخبار إلى مصر ضربوا لذلك ألف مدفع وفعلوا شنكًا وزينوا مصر وقراها سبعة أيام، وكان محمد علي باشا له اهتمام كبير في قتال الوهابية وأنفق في ذلك خزائن من الأموال حتى أخبر بعض من كان يباشر خدمته أنهم دفعوا في دفعة من الدفعات لأجرة تحميل بعض الذخائر خمسة وأربعين ألف ريال، هذا في مرة من المرات كان ذلك الحمل من الينبع إلى المدينة عن أجرة كل بعير ست ريالات دفع نصفها أمير ينبع والنصف الآخر أمير المدينة، وعند وصول الحمل من المدينة إلى الدرعية كان أجر تلك الحملة فقط مائة وأربعين ألف ريال، وقبض إبراهيم باشا على عبد الله بن سعود وبعث به وكثير من أمرائهم إلى مصر فوصل في سابع عشر محرم سنة أربع وثلاثين وصنعوا له موكبًا حافلاً يراه الناس وأركبوه على هجين وازدحم الناس للتفرج عليه، ولما دخل على محمد علي باشا قام له وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه وحادثه، وقال له الباشا ما هذه المطاولة؟ فقال الحرب سجال قال، وكيف رأيت ابني إبراهيم باشا قال: ما قصر وبذل همته ونحن كذلك حتى كان ما قدره الله تعالى فقال له الباشا أنا أترجى فيك عند مولانا السلطان، فقال المقدّر يكون ثم ألبسه خلعة وانصرف إلى بيت إسماعيل باشا ببولاق، وكان بصحبة عبد الله بن سعود صندوق صغير مصفح فقال الباشا له. ما هذا؟ فقال هذا ما أخذه أبي من الحجرة أصحبه معي إلى السلطان، فأمر الباشا بفتحه فوجدوا فيه ثلاثة مصاحف من خزائن الملوك لم ير الراؤون أحسن منها ومعها ثلاثمائة حبة من اللؤلؤ الكبار وحبة زمرد كبيرة وشريط من الذهب، فقال له الباشا الذي أخذتموه من الحجرة أشياء كثيرة غير هذا، فقال: هذا الذي وجدته عند أبي فإنه لم يستأصل كل ما كان في الحجرة لنفسه بل أخذه العرب وأهل المدينة وأغاوات الحرم وشريف مكة، فقال الباشا صحيح وجدنا عند الشريف أشياء من ذلك. ثم أرسلوا عبد الله بن سعود إلى دار السلطنة ورجع إبراهيم باشا من الحجاز إلى مصر في شهر المحرم من سنة 35 بعد أن أخرب الدرعية خرابًا كليًا حتى تركوا سكناها. ولما وصل عبد الله بن سعود إلى دار السلطنة في شهر ربيع الأول طافوا به البلد ليراه الناس ثم قتلوه عند باب همايون وقتلوا أتباعه أيضًا في نواح متفرقة.

هذا حاصل ما كان في قصة الوهابي بغاية الاختصار ولو بسط الكلام في كل قضية لطال، وكانت فتنهم من المصائب التي أصيب بها أهل الإسلام فإنهم سفكوا كثيرًا من الدماء، وانتهبوا كثيرًا من الأموال، وعمَّ ضررهم، وتطاير شررهم فلا حول ولا قوة إلا بالله، وكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيها التصريح بهذه الفتنة كقوله صلى الله عليه وسلم :"يخرج أناس من قبل الشرق يقرأون القرءان لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق" وهذا الحديث جاء بروايات كثيرة بعضها في صحيح البخاري وبعضها في غيره لا حاجة لنا إلى الإطالة بنقل تلك الروايات ولا لذكر من خرجها لأنها صحيحة مشهورة ففي قوله "سيماهم التحليق" تصريح بهذه الطائفة لأنهم كانوا يأمرون كل من اتبعهم أن يحلق رأسه، ولم يكن هذا الوصف لأحد من طوائف الخوارج والمبتدعة الذين كانوا قبل زمن هؤلاء، وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول: لا حاجة إلى التأليف في الرد على الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله صلى الله عليه وسلم "سيماهم التحليق" فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم. واتفق مرة أن امرأة أقامت الحجة على ابن الوهاب لما أكرهوها على اتباعهم ففعلت، أمرها ابن عبد الوهاب أن تحلق رأسها فقالت له حيث أنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته لأن شعر رأس المرأة زينتها وشعر لحية الرجل زينته فلم يجد لها جوابًا. ومما كان منهم أنهم يمنعون الناس من طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أن أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كثيرة ومتواترة، وأكثر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وكانوا يمنعون من قراءة دلائل الخيرات المشتملة على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذكرها كثير من أوصافه الكاملة ويقولون إن ذلك شرك ويمنعون من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم على المنابر بعد الأذان، حتى أن رجلاً صالحًا كان أعمى، وكان مؤذنًا وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم، فأتوا به إلى ابن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل، ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق، وفي هذا القدر كفاية والله سبحانه وتعالى أعلم.
.

موقف علماء اهل السنه من حركه بن عبد الوهاب

1 ـ شهادة أمير المؤمنين السلطان محمود خان الأول العثماني

(( أمر إلى أمير مكة الأمير مسعود دام سعده 

.. لقد ظهر شخص سيء المذهب في العيينة ، وهي إحدى قرى نجد في جهة الشرق وقام بإصدار اجتهادات باطلة ومخالفة للمذاهب الأربعة ونشر الضلالة والترغيب بها ، وبناء على إعلامكم إيانا واقتراحكم السابق فإن عليكم المبادرة إلى زجر وتهديد المفسد المذكور وأتباعه بمقتضى الشرع المطهر ، وإمالتهم إلى طريق الصواب ، أما إذا أصروا على ملعنتهم فإن عليكم إقامة وتنفيذ الحدود الإلهية الواجبة شرعا ، وقد أصدرت إليكم يا شريف مكة المشار إليه أمري هذا خطابا ، ولما كنتم قد أبلغتم الدولة العلية في كتبكم الواردة إلى دار السعادة بحاجتكم إلى الإمدادات والمعونات بسبب تمكن الملحد من كسب سكان تلك المناطق إلى جانبه بكل الحيل بحيث لم يعد ممكنا التقرب من تلك الأطراف فإن التقاعس بخصوص هذا الشخص المذكور [ محمد بن عبدالوهاب ] سيؤدي إلى ظهور حاجة إلى القوت أكثر عددا لمحاربة الشخص المذكور؛ لقد صدر أمر السلطاني بخصوص سيركم ضد الشخص المذكور واستئصاله ، وإن أيذاءهم بسيف الشريعة وتطهير الأراضي المقدسة [ منهم ] يعتبر عقوبة (( سياست )) لهم وواجبا يفرضه الدين، ولأجل تسديد مصاريف رواتب ومؤن العساكر الذين ستقومون بتسجيلهم لهذه المهمة فقد أنعمت عليكم بمبلغ 25 كيس رومي من الإقجات من إرسالية مصر لسنة 1163هـ .. )) اهـ المقصود.

وشهادة السلطان هذه عبارة عن رسالة بعث بها إلى شريف مكة الأمير مسعود معنونة حسب التوثيق بالتالي:

( هذا كتاب سلطاني من أمير المؤمنين السلطان محمود خان الأول العثماني إلى شريف مكة وأميرها الأمير مسعود ) :

وهي من محفوظات أرشيف رئاسة الوزراء ـ وثائق الداخلية تصنيف جودت ـ الرقم 6716 أواسط شوال 1164هـ .

ويراجع في ذلك كتاب: (أمراء مكة المكرمة في العهد العثماني) للمؤرخ إسماعيل حقي أوزون جارشلي ص139.

ونستنتج من خلال هذه الوثيقة أن دولة الخلافة كانت تنظر إلى محمد بن عبدالوهاب وطائفته على أنها طائفة مبتدعة خارجة عن الدولة.
**************************************************************************

كانت الوثيقة السابقة قد صدرت في بداية الدعوة الوهابية واستفحالها، لكن الحركة نجحت في المقاومة من التاريخ المذكور سنة 1163هـ إلى 1229هـ أي استمر الوهابية على خروجهم على الدولة طيلة 66 سنة قد ابتليت دولة الخلافة العثمانية إبانها بثورات وتمردات على حدودها، وابتليت بظهور نابليون بونابرت واحتلال الفرنسيس لمصر، فلم يدع ذلك كله مجالا للدولة في خلال هذه الفترة الطويلة لتكلف أعباء أكبر فأهملت شأن الوهابية حتى استفحل أمرهم باحتلالهم للحجاز، واستسلم لهم شريف مكة الأمير ( غالب ) وصانعهم ليقروه فأقروه، فما كان من دولة الخلافة إلا أن أمرت باشا مصر وذلك بعد رحيل الفرنسيين منها بأن يخرج الوهابية من الحجاز ويقضي على دعوتهم ، وبما أن الشريف غالب أمير مكة كان قد صانعهم فقد أصدر الخليفة ( محمود الثاني ) قرارا بعزله وأوكل ذلك إلى الباشا محمد علي الذي كان يريد إعدامه فكتب الخليفة بكتاب إلى محمد علي ينهاه عن إعدامه جاء فيه :

(( بناء على إبلاغي من قبل أحد رجالكم وهو نائبكم في العاصمة ( قابو كتخداي ) بعزل أمير مكة المكرمة الشريف غالب بن مساعد ونصب أحد الشرفاء محله .. وطبقا للبيان السامي الصادر بهذا الخصوص لا يجوز إجراء معاملة إعدام الشريف الموما إليه .
إن أخذ وحبس ونفي ( الشريف غالب ) ونصب من هو الأصلح والأرشد من السلالة الطاهرة محله ليس معلقا على إذن من اسطنبول فقد صدر أمر سابقا بترك الأمر لكم .. 
)) اهـ .

المصدر : أرشيف رئاسة الوزراء دفتر الخفايا ـ الرقم 3 ، ص48 في 28 ـ ca جمادى سنة 1228هـ .

وبعد تولية الوالي الجديد وهو الشريف يحيى كتب الخليفة العثماني السلطان محمود الثاني كتابا إلى والي مكة الجديد الشريف ( يحي بن سرور بن مساعد ) يخاطبه فيها ، وهذه هي وثيقتنا الثانية :

2 ـ شهادة أمير المؤمنين السلطان محمود خان الثاني العثماني

(( ... أصبح معلوما لدى جنابنا السلطاني بأن سلفكم أمير مكة السابق الشريف غالب بن مساعد قد سلك مسلكا يخالف مقتضيات الإمارة إضافة إلى طمعه وتقاعسه وبصورة خاصة عدم وقوفه بحزم ضد الخارجيين [الوهابية] .. إن عزل الموما إليه من منصب الإمارة وانتخاب ونصب أحد الشرفاء المحترمين محله يرجع إلى والي مصر في الوقت الحاضر ، إن محمد على باشا دام جلاله مكلف بواسطة فرمان عالي بالنظر في تسوية الأمور الحجازية ، وبمقتضى ذلك بادر ( محمد علي باشا ) بعد وصوله إلى البلد المنيف إلى عزل الموماى إليه الشريف غالب بن مساعد من منصب الإمارة وأرسله على مصر ، ولما كنت أنت ( أيها الشريف يحيى ) معروفا بحسن السيرة بين الشرفاء فإن الوزير المشار إليه ( أي محمد علي باشا ) قد انتخب جنابكم باتفاق آراء العلماء والشرفاء ومعرفتهم لمنصب الإمارة ومسند الشرافة ، واستنادا إلى ما كتبه واقترحه الوزير المشار إليه فقد وجهت إليك إمارة مكة المكرمة بموجب البيان السامي الذي أصدرته .. )) اهـ .

عنوان هذه الوثيقة في المراجع: ( خطاب الخليفة العثماني ( محمود الثاني ) الموجه إلى شريف مكة الجديد الشريف (يحي ابن سرور) 
المصدر : نامة همايون دفتري ، الرقم 10 ، ص165.

ومن خلالها يظهر بوضوح كيف كانت نظرة الخلافة العثمانية طيلة هذه السنوات للحركة الوهابية.


3 ـ ( العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح المعروف بالأمير الصنعاني مؤلف ( سبل السلام ) المتوفى سنة 1182هـ )

لما ظهرت دعوة محمد بن عبد الوهاب كتب الأمير الصنعاني إليه بالقصيدة الشهيرة المسجلة في ديوانه يمدحه بها سنة 1163هـ مطلعها :

سلام على نجد ومن حل في نجد :::::::::::: وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي .

وانتظر الجواب، ولكن الجواب لم يصل، ووصلت وفود نجد وبعض علمائها يخبرون بحقيقة مذهبه، فتراجع الصنعاني عن مدحه، بعد أن طارت القصيدة في كل البلاد، وبعد أن غضب العلماء على الصنعاني وردوا عليه وبينوا له حقيقة مذهب ابن عبد الوهاب، فكتب قصيدة أخرى تراجع فيها عن مدحه الأول ثم شرحها في ( إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب ) أو ( النشر الندي بحقيقة أقوال ابن عبدالوهاب النجدي ) وسميت أيضا بـ( محو الحوبة في شرح أبيات التوبة ) وهي مشهورة عند أهل اليمن يعرفها صغار طلبة العلم، وقد ذكر الشوكاني شيئا منها في الدر النضيد، وهي مسجلة في هجر العلم ومعاقله للقاضي الأكوع، ومسجلة في الوشي المرقوم للقنوجي ومعروفة لا نحتاج إلى الإطالة في ذكرها، قال الصنعاني ما نصه :

(( لما بلغت هذه الأبيات نجدا وصل إلينا بعد أعوام من بلوغها إلى أهل نجد رجل عالم يسمى مربد بن أحمد التميمي ، كان وصوله في شهر صفر سنة 1170هـ ، وأقام لدينا ثمانية أشهر ، وحصل بعض كتب ابن تيمية وابن القيم بخطه ، وفارقنا في عشرين شوال سنة 1170هـ راجعا إلى وطنه عن طريق الحجاز مع الحجاج ، وكان من تلاميذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي وجهنا إليه الأبيات فأخبرنا ببلوغها ولم يأت بجواب عنها .

وكان قد تقدمه في الوصول إلينا بعد بلوغها الشيخ الفاضل عبدالرحمن النجدي ، ووصف لنا من حال محمد بن عبدالوهاب أشياء أنكرناها من سفكه للدماء ، ونهبه للأموال ، وتجاريه على قتل النفوس ولو بالاغتيال ، وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار ، فبقينا نتردد في ما نقله الشيخ عبدالرحمن حتى وصل الشيخ مربد ، وله نباهة ، وأوصل بعض رسائل ابن عبدالوهاب التي جمعها في وجه تكفيره أهل الإيمان وقتلهم ونهبهم ، وحقق لنا من أحواله وأقواله وأفعاله ، فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا ، ولم يمعن النظر ، ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية ، ويدله على العلوم النافعة ، ويفقهه فيها ، بل طالع بعضا من مؤلفات أبي العباس بن تيمية ، ومؤلفات تلميذه ابن قيم الجوزية ، وقلدهما من غير إتقان ، مع أنهما يحرمان التقليد.

ولما حقق لنا أحواله ، ورأينا في الرسائل أقواله ، وذكر لنا أنه عظم شأنه بوصول الأبيات التي وجهناها إليه ، وأنه يتعين علينا نقض ما قدمناه ، وحل ما أبرمناه ، وكانت أبياتنا قد طارت كل مطار ، وبلغت غالب الأقطار ، وأتتنا فيها جوابات من مكة المشرفة ومن البصرة وغيرهما ، إلا أنها جوابات خالية عن الإنصاف ، ولما أخذ علينا الشيخ مربد ذلك تعين علينا الرجوع لئلا نكون سببا في شيء من هذه الأمور التي ارتكبها ابن عبدالوهاب المذكور ، كتبت أبياتا وشرحتها ، وأكثرت من النقل عن ابن القيم وشيخه ابن تيمية لأنهما عمدة الحنابلة ، وهذه نماذج من الأبيات :

رجعت عن القول الذي قلت في النجدي :::::::: فقد صح لي فيه خلاف الذي عندي 
ظننت به خيرا وقلت عسى عسى ::::::::: نجد ناصحا يهدي الأنام ويستهدي 
فقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا ::::::::: وما كل ظن للحقائق لي مهدي 
وقد جاءنا من أرضه الشيخ مربد :::::::::: فحقق من أحواله كل ما يبدي 
وقد جاء من تأليفه برسائل :::::::::::::: يكفر أهل الأرض فيها على عمد 
ولفق في تكفيرهم كل حجة :::::::::::::: تراها كبيت العنكبوت لمن يهدي
تجارى على إجرا دما كل مسلم ::::::::::::: مصل مزك لا يحول عن العهد
وقد جاءنا عن ربنا في ( براءة ) ::::::::::::: براءتهم عن كل كفر وعن جحد
وإخواننا سماهم الله فاستمع :::::::::::::: لقول الإله الواحد الصمد الفرد 
وقد قال خير المرسلين نهيت عن ::::::::::::: فما باله لا ينتهي الرجل النجدي
وقال لهم : لا ما أقاموا الصلاة في ::::::::::::: أناس أتوا كل القبائح عن قصد
أبن لي ، أبن لي لم سفكت دماءهم ؟ ::::::::::::: ولم ذا نهبت المال قصدا على عمد ؟
وقد عصموا هذا وهذا بقول لا :::::::::::::: إله سوى الله المهيمن ذي المجد
إلى أن قال :
وهذا لعمري غير ما أنت فيه من :::::::::::::: تجاريك في قتل لمن كان في نجد
فإنهم قد تابعوك على الهدى :::::::::::::::: ولم يجعلوا لله في الدين من ند 
وقد هجروا ما كان من بدع ومن :::::::::::::: عبادة من حل المقابر في اللحد
فما لك في سفك الدما قط حجة :::::::::::::: خف الله واحذر ما تسر وما تبدي 
وعامل عباد الله باللطف وادعهم :::::::::::::: إلى فعل ما يهدي إلى جنة الخلد 
ورد عيهم ما سلبت فإنه :::::::::::::::::: حرام ولا تغتر بالعز والجد
ولا بأناس حسنوا لك ما أتوا :::::::::::::: غما همهم إلا الأثاث من النقد
يريدون نهب المسلمين وأخذ ما ::::::::::::::: بأيديهم من غير خوف ولا حد 
إلى أن قال :
وتكفير أهل الأرض لست أقوله ::::::::::::: كما قلته لا عن دليل به تهدي 
وها أنا أبرا من فعالك في الورى ::::::::::::: فما أنت في هذا مصيب ولا مهدي
ودونكها مني نصيحة مشفق :::::::::::::: عليك عسى تهدي لهذا وتستهدي
وتغلق أبواب الغلو جميعه :::::::::::::: وتأتي الأمور الصالحات على قصد
وهذا نظامي جاء والله حجة :::::::::::::: عليك فقابل بالقبول الذي أبدي 


وهي واضحة كما ترى في شهادته على الحركة الوهابية بما يعرفه عنها الناس من التكفير العام والقتل، والحاصل أن من يستشهد بالقصيدة الأولى التي مدح الصنعاني فيها محمد بن عبدالوهاب وترك الثانية التي فيها الرجوع ، فهو كمن احتج بالمنسوخ وترك الناسخ، ونحن كنا نعرف قصيدة المدح فنكثر من ذكرها ثم عرفنا أن الصنعاني رجع عنها، وبعض الوهابية يشككون فيها وبعضهم يثبتها، والتشكيك فيها لا معنى له فهي ثابتة عنه وقد نقل الشوكاني منها وبين حقيقتها في كتابه (الدر النضيد)، وهي موجودة لها نسخ مخطوطة كثيرة.


تنبيه:
كان كثير من الوهابية يشككون في صحة نسبة القصيدة المرجوع فيها إلى الصنعاني، لكنها ثابتة، وإلى صحتها مال المحققون من الوهابية بعدما طالعوا الأدلة ومنها نقل كبار ثقاة أصحاب الصنعاني لقصيدته هذه وعزوهم إياها إليه، ومنهم الشوكاني ومن سيأتي ذكرهم، وقد قال البسام في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون ما نصه:
((كثير من أصحاب القلوب السليمة ينفون صحة الرجوع عن الشيخ الصنعاني، وينسبون تزوير الرجوع والقصيدة الناقضة إلى ابنه، ولكنني تحققت من عدد من الثقات، ومنهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاء بأن رجوع الأمير الصنعاني حقيقة، وأن القصيدة الناقضة له وليست لابنه ..))اهـ. 
ولهذه القصيدة نسخ كثيرة مخطوطة بخطوط مختلفة، وهي مسجلة في ديوان الصنعاني كذلك، حتى وصلت بعض هذه النسخ إلى الهند ووقعت إلى صديق حسن خان وغيره، وهي موجودة الآن في هجر العلم المطبوع للقاضي الأكوع فلتنظر، ومن يجادل في هذا الآن فمن الجهال لا شك في هذا.


قبل أن نمضي قدما ههنا أمر لابد من ذكره، وهو أن ثمة شهادة مهمة لا بد أن نلفت النظر إليها، وهي ما سجله الصنعاني في شهادته حيث أن الصنعاني قال:

(وقد جاءنا من أرضه الشيخ مربد ..) فمن هو الشيخ مربد هذا؟؟

4 ـ شهادة الشيخ العلامة مربد التميمي الحنبلي المستشهد سنة 1171هـ . 

هو الشيخ العلامة مربد بن أحمد بن عمر الوهيبي التميمي نسبا الحريملي بلدا، من سكان حريملاء، قرأ على علماء نجد ثم رحل إلى الشام وطلب العلم هناك ثم عاد، ولما ظهر محمد بن عبد الوهاب رد عليه الشيخ مربد وناظره، ورحل الشيخ مربد إلى اليمن خصوصا لتحصيل بعض الكتب لتحرير مسائل وقعت بينه وبين ابن عبد الوهاب، ولما رجع الشيخ مربد ولم يكن في صف الوهابية انتهى أمره إلى أن قتلوه، يقول الصنعاني في شرح قصيدته:

((الشيخ مربد بن أحمد التميمي رجل من أهل نجد، له معرفة، حنبلي المذهب، قد هاجر إلى دمشق ثلاث سنين)) اهـ.
ونقل عبد الله بن عيسى الصنعاني في (السيف الهندي) من خط عبد القادر بن أحمد الكوكباني تلميذ الصنعاني قوله:
((وفي ذي القعدة سنة 1170هـ وصل إلينا العلامة الفاضل مربد بن أحمد بن عمر التميمي النجدي الحريملي ..))اهـ.
وهذا العالم مترجم في علماء نجد في ثمانية قرون، قال عنه:
((فهرب الشيخ مربد من حريملاء، فلما وصل بلدة رغبة أمسكه أمير رغبة علي الجريس وقتله وذلك عام 1171هـ ..))اهـ. وهو منقول من عنوان المجد لابن بشر، وعلي الجريس المذكور هو من أمراء الوهابية.

وقد تقدم كلام الشيخ مربد عن ابن عبد الوهاب فيما نقله الصنعاني، وتبين أن الشيخ مربد وأمثاله بما بينوه وبما حملوه إلى اليمن من مصنفات ابن عبد الوهاب ورسائله كان السبب في رجوع الصنعاني عن مدح ابن عبد الوهاب، فهذه شهادة تضاف إلى الشهادات المتقدمة.




5 ـ شهادة العلامة عبدالقادر بن أحمد بن ناصر الكوكباني الصنعاني المتوفي سنة 1207هـ .

هذا الرجل هو أشهر شيوخ الشوكاني على الإطلاق ، كما أنه أشهر تلاميذ الأمير الصنعاني، وقد ترجمه الشوكاني في ( البدر الطالع ) 1 / 360 بترجمة طنانة رنانة، وعظمه جدا، ووصفه بقوله : (( شيخنا الإمام المحدث الحافظ المسند المجتهد المطلق .. )) وبالغ في إطرائه للغاية فارجع إلى الترجمة المذكورة تر ذلك.
وقد نقل صديق حسن خان القنوجي الهندي في ( الوشي المرقوم ) 3 / 196 عن العلامة عبدالله بن عيسى الصنعاني ـ الآتية شهادته ـ أنه قال في ( السيف الهندي ) ما نصه: ونقلت من خط العلامة وجيه الإسلام عبدالقادر بن أحمد بن ناصر ما صورته :

(( في ذي القعدة سنة 1170هـ سنةوصل إلينا الشيخ الفاضل مربد بن أحمد بن عمر التميمي النجدي الحريملي نسبة إلى حريملاء بلد قرب سدوس أول بلاد اليمامة من جهة الغرب ، وكان وصوله إلى اليمن لطلب تحقيق مسألة جرت بينه وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب في تكفير من دعا الأولياء ، والشيخ يكفر من فعل ذلك ومن شك في كفره ويجاهد من خالفه ، وكان سبب وصوله إلى اليمن أنه سمع قصيدة لشيخنا السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير كتبها إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وللشيخ مربد عليها جواب صغير ، ولم يكن يتعاطى فيها الشعر قط )) اهـ كلام العلامة عبدالقادر الكوكباني ، قال عبدالله بن عيسى الصنعاني : (( فهذا مذهب إمامي ذلك الزمان في تحقيق مذهب الشيخ محمد بن عبدالوهاب النجدي من قبل أن يولد أكثر هذه الطبقة التي نحن فيها )) قال القنوجي : (( انتهى حاصله ثم رد في هذه الرسالة عليه بعض عقائده ومسائله )) اهـ 
افتراضي

6 ـ شهادة قاضي قضاة القطر اليماني محمد بن على الشوكاني مؤلف نيل الأوطار المتوفى سنة 1250هـ


من الضروري عن قبل الاسترسال أن أبين أن الشوكاني مر بمراحل من حياته تبدلت فيها بعض آرائه، فمثلا كان الشوكاني قد ألف في كفر ابن عربي وأتباعه من الصوفية، ثم إنه بعد 40 سنة تراجع عن هذا التكفير وسجله على مخطوطة كتابه، وسجله كذلك في البدر الطالع، فلهذا نعتقد أنه تذبذب في حكمه على الوهابية أيضا، فقد عاصر الشوكاني حياة ابن عبدالوهاب في آخرها ، وتأثر بدعوته شيئا ما، لأنه هو نفسه كان من كبار الناقمين على الغلو في المقبورين، وفي ديوانه قصيدة في مدح ابن عبد الوهاب ! ولكنه مع هذا لم يترجم لابن عبدالوهاب في تاريخه (البدر الطالع) مع أنه ترجم لكثير من الأعلام من معاصريه !! وهذا يثير عدة تساؤلات، هل ترجم الشوكاني لابن عبد الوهاب فحذفت الترجمة من المطبوع؟ أو ترجمه مادحا ثم حذفها هو متراجعا كما تراجع شيخ شيوخه الصنعاني؟ أو لم يترجمه أصلا بسبب ما يثار حوله؟ وهذا الأخير ما نرجحه، لأنه أشار إلى بعض الأحداث المهمة في تراجم متفرقة من كتبه، وأوسع كلام له في هذه المسألة ما ذكره في كتابه (البدر الطالع) في ترجمة الشريف غالب، وقد كان الشوكاني يحيل دوما إلى هذا الموضع أعني ترجمة الشريف غالب لمن أراد التفصيل، مما يرجح أنه لم يترجم لابن عبد الوهاب في البدر الطالع بترجمة خاصة وإلا لأحال عليها، لذا أنقل الآن منه ما يفهم منه رأي الشوكاني مع ملاحظة أنه كتب الترجمة في وقت مبكر قبل توغل جيوش سعود بن عبدالعزيز في القطر اليمني، ذلك التوغل الذي أتاح للشوكاني المزيد من المعلومات حول الوهابية، قال رحمه الله في ترجمة (السيد غالب بن مساعد شريف مكة ) من كتابه ( البدر الطالع ) ط مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة ـ ج2/ص8 وهو يتكلم عن عبدالعزيز بن سعود الكبير ما نصه :

(( … فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز ، ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ، ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم ، إما رغبة وإما رهبة ، وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوج ، وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها ، ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام !!! ولقد أخبرني أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسي أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار !!! وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم !!! فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد ، وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام وفي بلاد السراة المجاورين لبلاد أبي عريش ومن تبعه من هذه الأجناس اغتبط بمتابعته وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليهوتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها ، من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبي أو ولي !!! وغير ذلك ... ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة في جماعة !!! وهذ إن صح غير مناسب لقانون الشرع … وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها ، وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج !! وما أظن ذلك صحيحا فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبدالوهاب، وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما ، وهما أشد الناس على معتقدي الأموات ، وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة ، فالله أعلم بحقيقة الحال ، وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه ويطلقون عليه اسم الكافر … )) اهـ المقصود منه .

يلاحظ هنا أن الشوكاني لا يحمل الكثير من المعلومات عن الوهابية، ويعتمد في كثير من كلامه على الظنون والسماعات والبلاغات، وفيها الحسن والقبيح، ثم لما اقتربت الجيوش وتوغلت أكثر وتواترت أخبارها بحيث تيقنها الشوكاني، علم الشوكاني أنه في خطر وأنه إن فاه بكلمة ضد هذه الدعوة لداسوا بخيولهم في اليوم التالي دار القضاء في صنعاء بلد الشوكاني فاستخدم أسلوب التلطف والإلماح الواضح على كلامه : قال الشوكاني في ( الدواء العاجل في دفع العدو الصائل ) ط مكتبة السنة المحمدية بتحقيق حامد الفقي ص53 ما صورته :
(( .. فكرت في ليلة من الليالي في هذه الفتن التي قد نزلت بأطراف هذا القطر اليمني ، وتأججت نارها وطار شررها ، حتى أصاب كل فرد من ساكنيه منها شواظ ، وأقل ما قد نال من هو بعيد عنها ما صار مشاهدا معلوما من ضيق المعاش ، وتقطع كثير من أسباب الرزق وعقم المكاسب ، حتى ضعفت أموال الناس وتجاراتهم ومكاسبهم ، وأفضى إلى ذهاب كثير من الأملاك ، وعدم نفاق نفائس الأموال ، وحبائس الذخائر ، ومن شك في هذا فلينظر بعين البصيرة حتى يدفع عنه ريب الشك بطمأنينة اليقين .

هذا حال من هو بعيد عنها لم تطحنه بكلكلها ، ولا وطئته بأخفافها ، وأما من قد وفدت عليه وقدمت إليه ، وخبطته بأشواظها ، وطوته بأنيابها ، وأناخت وقرت بناحيته كالقطر اليماني وما جاوره فيالله كم من بحار دم أريقت !!! ومن نفوس أزهقت !!! ومن محارم هتكت !!! ومن أموال أبيحت !!! ومن قرى ومدائن طاحت بها الدوائح ، وصاحت عليها الصوائح بعد أن تعطلت وناحت بعرصاتها المقفرات النوائح ، فلما تصورت هذه الفتنة أكمل تصور ، وإن كانت متقررة عند كل أحد أكمل التقرر ، ضاق ذهني عن تصورها ، فانقلبت إلى النظر في الأسباب الموجبة لنـزول المحن وحلول النقم ، من ساكني هذا القطر اليمني على العموم … )) اهـ .

فانظر إلى هذا الكلام وتمعن كيف سمى هذه الدعوة بالعدو الصائل ، هذا وبعد أن شرح الشوكاني الأسباب من معاص واستهتار بحدود الله ونحو ذلك ، وتكلم على الحلول السريعة التي أهمها الصلح مع الله تعالى ، قال بعد ذلك ص65 ما ألفاظه :

(( .. فقد سلط الله على أهل الإسلام طوائف من عدوهم ، عقوبة لهم ، حيث لم ينتهوا عن المنكرات ، ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة ، كما وقع من تسليط الخوارج في أول الإسلام ، ثم تسليط القرامطة والباطنية بعدهم ، ثم تسليط الترك حتى كادوا يطمسون معالم الإسلام ، وكما يقع كثيرا من تسليط الفرنج ونحوهم ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، إن في هذا لعبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد .. )) اهـ المقصود .

ثم قال ص68 وهو بيت القصيد:
(( … فبهذا يدفع الله الشرور عن البلاد والعباد ، ويحول بينهم وبين من قد صار في بعض أطرافها من الطوائف التي تقاتل عباد الله مقاتلة أهل الشرك المحقق !!! بل يتجاوزون ذلك إلى ما لا يبيحه الشرع !!! كما بلغنا أنهم يقتلون النساء الحوامل والصبيان !!! ويشقون بطون الحوامل !!! فإن الشارع صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا وزجر عنه ، ولم يحل للمسلمين أن يقتلوا صبيان المشركين وعجائزهم ونساءهم … )) اهـ المقصود . 

فمن هم هؤلاء الذين يتحدث عنهم الشوكاني؟؟ الأمر واضح.

وبعد اقتراب جيوش سعود أكثر وتعرف الشوكاني على ما يقولونه ويفعلونه أكثر كتب بقصيدته هذه إلى سعود يقول له فيها كما في ( هجر العلم ومعاقله في اليمن ) ج4/2270 نقلا عن ديوانه ص161 فمنها :

ولم يتلاعب الأقوام يوما ******** بآراء إلى بدع تقود
وريح الرأي والتقليد فيهم ******* بذاك العصر كان لهاركود
ولو هبت لهب لها أناس ********* يضيق بها المنافذ والنجود
وما قالوا بتكفير لقوم ********** لهم بدع على الإسلام سود
كما كان الخوارج في ابتداع ***** يشيب لها من الإسلام فود
وما قالوا بأن الرفض كفر ****** وبدعته تشق لها الجلود
فكيف يقال : قد كفرت أناس **** يرى لقبورهم حجر وعود ؟؟!!
فإن قالوا أتى أمر صحيح ******* بتسوية القبور فلا جحود
ولكن ذاك ذنب ليس كفرا ***** ولا فسقا فهل في ذا ردود ؟؟
وإلا كان من يعصي بذنب ***** كفورا إن ذا قول شرود
وقد ذهب الخوارج نحو هذا **** وما مثل الخوارج من يقود
وقد خرقوا بذا الإجماع حقا **** وكل العالمين به شهود
فإن قلتم قد اعتقدوا قبورا ***** فليس لذا بأرضينا وجود … إلخ الأبيات .

لقد تيقن الشوكاني حينها أن القوم يكفرون بل يذبحون من يخالفهم في قضايا القبور والقباب، ويبالغون في الحكم على المتوسلين والمستغيثين بالشرك ويستحلون دماءهم وأموالهم .. هذا بعد أن كان الشوكاني شاكا مرتابا فصار متيقنا قاطعا، ومن خلال بلاغات الشوكاني ونقولاته نرى أن الصورة المعروفة عن الوهابية لا تختلف عما هو معروف عنها.

تنبيه : عايش الشوكاني هجوم الوهابية على بلاد اليمن وعرف أخبارهم عن قرب، وصار بحيث لا يمكنه غير المصانعة والمداهنة التي هي من مقتضيات السياسة، ولمزيد من ذلك تراجع ترجمة الشريف حمود بن محمد الحسني في (البدر الطالع).


7 ـ شهادة العلامة القاضي المؤرخ الكبير الحسن بن أحمد بن عبد الله الضمدي الملقب بعاكش المتوفى سنة 1289هـ.

ترجم لهذا العلامة الوشلي في (نشر الثناء الحسن) وحلاه بقوله : ((العلامة الإمام علم الأئمة الأعلام حسن بن أحمد بن عبد الله الضمدي ..)) اهـ وطول ترجمته، ونقل عن الشوكاني في (البدر الطالع) قوله عنه ـ وهو من تلاميذه ـ : ((وهو قوي الفهم جيد الذهن بارع الذكاء عارف بكثير من فنون العلم، أديب له شعر جيد كتب إلي منه قصيدة ..))اهـ. ولهذا العلامة المؤرخ الكبير ترجمة جيدة مطولة في (نيل الوطر) وغيره، ومؤلفاته في التاريخ دالة على طول باعه وسيلان يراعه، ولهذا العلامة رسالة صغيرة سجل فيها ما جرى بين الوهابية وبين السيد ـ الآتي ذكره ـ أحمد بن إدريس المغربي ثم اليمني من مناظرة، طبعت هذه الرسالة عن نسخة من خط العلامة السنوسي الشهير، وقد جاء في كلام عاكش في ذكر عبد الله بن سرور ـ أحد الوهابية ـ قوله:

((وهذا الفقيه عبد الله بن سرور من حفاظ كتاب الله العزيز، وكان قد أخذ عن علماء تهامة شيئا من العلوم ولازم السيد حسن بن خالد مدة وقرأ عليه، ولكنه لم يكن له من الإدراك ما يميز به بين المعلوم والموهوم، واتخذ بلاد عسير وطنا، ودان بمعتقد الطائفة النجدية في إطلاق لفظ الشرك الأكبر على جميع الأمة المحمدية من غير تفرقة بين الموحد منهم والمشرك الذي يعتقد النفع والضر في غير الله تعالى، وقد صدر من أمرائهم المتقدمين وقائع مختلفة بسبب هذا الاعتقاد، سالت بها سيول من الدماء في هذا الفطر التهامي، مما هو مسطور في تواريخ علماء اليمن، ومعلوم بالتواتر لمن عقل لأنه ليس بالعهد من قدم ..))اهـ.

فهذه شهادته إذا ضممناها إلى ما تقدم من كلام الشوكاني وغيره اتضحت لك الصورة أكثر فأكثر.

تنبيه: ما نقله المؤرخ الوشلي من البدر الطالع لم أجده في النسخة المطبوعة لدي ـ وهي من مطبوعات مكتبة ابن تيمية في القاهرة التي جربنا عليها تزويرات سابقة ـ وهذا النص أحد مجموعة نصوص نسبت إلى البدر الطالع وليست في المطبوع !! منها نصوص نسبها الشيخ الكوثري إلى البدر الطالع وليست فيه! فمن كانت لديه طبعات أخرى فلينظر فيها مشكورا.


8 ـ شهادة العلامة العارف بالله أحمد بن إدريس المغربي العرايشي ثم اليمني المتوفى سنة 1253هـ,.

هذا العلم مشهور جدا، مذكور بالإمامة والتقدم وممدوح بمدائح وثناءات لا سيما من أهل القطر اليماني في عدة كتب، منها (النفس اليماني) للأهدل، و(الديباج الخسرواني) لعاكش الماضي ذكره، و(التاج المكلل) لصديق حسن، و(أبجد العلوم) له أيضا و(شجرة النور الزكية) لمخلوف و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني، وغيرها من الكتب، بل أفرد عدد من أهل العلم ترجمته بالتأليف .. 

وقد كان هذا العلم من بابة الشوكاني في دعوى الاجتهاد ونبذ التقليد مع الأدب الجم مع العلماء، ولما سيطرت الجيوش الوهابية على بعض النواحي اليمنية وشاع هناك ذكر السيد ابن إدريس قصده الوهابية للمناظرة، وقد سجلها العلامة عاكش الضمدي الماضي ذكره، وذكر فيها أن الوهابية ناظروا السيد المذكور وعظموا عنده ابن عبد الوهاب، ووصفوه بمجدد الإسلام، فكان من رده عليهم في قوله وشهادته أن قال عن ابن عبد الوهاب كما في رسالة المناظرة المومى إليها:

((لا ننكر فضله، ولا مقصده الصالح فيما صنع، وقد أزال بدعا وحوادث، ولكن شاب تلك الدعوة بالغلو، وكفر من لا يعتقد في غير الله تعالى من أهل الإسلام، واستباح دماءهم وأموالهم بلا حجة ..))اهـ.

ولابن إدريس كلام آخر قد نتعرض له في آخر رسالتنا هذه، أم الآن فلنا شهادة ابن إدريس هذه الناصة على أن ابن عبد الوهاب غلا فكفر المسلمين واستباح الدماء والأموال بلا حجة.


9 ـ شهادة العلامة السيد علوي بن أحمد الحداد المتوفى سنة 1232هـ

هو علوي بن أحمد بن حسن بن الإمام العلامة الشهير عبد الله بن علوي الحداد الحسيني الحضرمي الشافعي، ترجمته في كتب منها : (تاريخ الشعراء الحضرميين) و(نيل الوطر) و(الروض الأغن) وغيرها، وصفه السقاف في تاريخ الشعراء بقوله: ((علامة خصب المواهب واسع المدارك، موفور العلوم والفنون، إلى صيت ذائع ..))اهـ. ومؤلفاته كثيرة أشهرها (مصباح الأنام) في الرد على الوهابية، مشحون بالفوائد، وهو أهم مصادر العلامة أحمد زيني دحلان في كتابه الدرر السنية فقد أكثر من النقل عنه، بل هو من أهم الكتب في هذا الباب، وله أيضا (السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر) وغيرها .. وكتابه مصباح الأنام هذا مطبوع باسم (مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام) وتاريخ تأليفه 1216هـ أي في وقت مبكر من تاريخ الدعوة الوهابية، ونصوص هذا العلامة في الحكم على هذه الدعوة الوهابية كثيرة جدا لا تحصى، فمن شاء استيعاب بعضها راجع كتابه المذكور هذا، وأما نحن هنا فيكفينا عنوان كتابه للدلالة على مضمونه، ولكن لا بأس بالإشارة إلى شيء ينبيك عما وراءه.

قال العلامة المذكور في أول كتابه : ((لما سافرنا من حضرموت إلى عمان ورأينا من الثقاة من ينقل إلينا من البدع العظيمة من النجدي صاحب الدرعية، وأجبنا عما سئلنا عنه بكتاب سميناه السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر .. ثم إني رأيت وسمعت بأمور عظيمة من البدعي النجدي حدثت في بلدان عمان وذلك لموت العلماء بها، وبقي من لا يسمع لكلامه قليلون وبدا الدين غريبا وسيعود كما بدأ ..))اهـ.

وقال أيضا يعدد مستشنع أقوال ابن عبد الوهاب: ((ومن ذلك وهو أعظمها أنه كان يكفر جميع الناس من ستمائة سنة ومن لا يتبعه وإن كانوا من أتقى المتقين، فيسميهم مشركين، ويستحل دماءهم وأموالهم، ويثبت الإيمان لكل من تبعه وإن كان من أفسق الفاسقين، وغاية شبهته في نسبة الشرك إلى غير أتباعه ـ وهي التي بنى عليها أساس بدعته وزندقته وجميع قبائحه ـ أنه ادعى أنهم يعظمون مشاهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومشاهد الأولياء نفعنا الله بهم تعظيما بليغا ..))اهـ.

وكلامه كثير جدا في هذا الباب لا يمكن حصره هنا، وسيكون هذا الكتاب مصدرا لعدد من النصوص والشهادات التي سنذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
.