.

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول التصوف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول التصوف. إظهار كافة الرسائل

خالد الجندي : الصوفيه ناس فهمت الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم
لقاء محمود سعد مع الداعيه خالد الجندي وحديث رائع عن التصوف والصوفيه وفهمهم لواقع الحياه

الجزء الاول



الجزء الثاني


الجزء الثالث

.

دور التصوف في نشر الاسلام في ماليزيا



الصوفية ونشر الإسلام في ماليزيا

صهيب جاسم

كان لحركات الصوفية آثارها المباشرة وغير المباشرة، التاريخية والحاضرة، الإيجابية والسلبية في تدين مسلمي ماليزيا؛ وذلك لأنها انتشرت في بعض الفترات انتشارا واسعا؛ ولذلك كان على الداعية المعاصر في هذا البلاد مهما كان توجهه الأخذ بعين الاعتبار هذه الآثار في مخاطبته لأفراد المجتمع.
انتشار التصوف مبكرا
لا يُعرف على وجه التحديد متى دخلت تعاليم التصوف إلى ما يعرف بماليزيا اليوم، ومع وجود اختلافات في تقدير ذلك فإن من المتفق عليه أن تاريخها يمتد لعدة قرون ماضية بفضل الدعاة المتقدمين الذين جاءوا إلى شبه جزيرة الملايو وأرخبيل (جزر ما يعرف بإندونيسيا وجوارها اليوم)، ومن أشهر هؤلاء: الشيخ عبد الله العارف الذي قدم من جزيرة العرب عام 1165م وغيره. وأبرز 3 مصادر للتصوف في ماليزيا هي: مكة المكرمة، والهند، وإندونيسيا. فمكة كانت مقصد طلاب العلم الملايويين وخصوصا في الفترة ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين، وكانت مادة التصوف مهمة في تلك الأيام، حتى صار الالتزام بطريقة من الطرق الصوفية عند العلماء والطلبة الملايويين عادة يعتقدون أنها تنمي نزعتهم الروحية وتقويهم، وعندما كان يعود هؤلاء إلى بلادهم كانوا يحملون العلم الشرعي ، ويمارسون طريقة واحدة أو أكثر.
والتصوف في ماليزيا تأثر بمراحل تغييره على امتداد العالم الإسلامي من عهد جيل التصوف السني الأول إلى عهد تيارات التصوف الفلسفي، وما عرف عنها من انحرافات، ثم التصوف الشعبي فيما بعد سقوط بغداد، وقد ساعدت الخلفيات الدينية السابقة لسكان العالم الملايوي على أن يقوم الدعاة بنشر الإسلام بالتركيز على الجانب الصوفي، وما يشير إلى ذلك الحكايات الملايوية القديمة والأساطير التي تحكي قصص دعاة مسلمين جاءوا من الغرب، وأساطير يفصل فيها القصاصون.. كل هذا إشارة إلى أن نزعة التصوف قد لازمت الكثير من الدعاة العرب والهنود وغيرهم ممن جاء إلى هذه البلاد، ثم كان دور جيل العلماء الملايويين الذين تركوا لأحفادهم مؤلفات إسلامية صوفية كثيرة.
منذ أن بدأ الإسلام ينتشر انتشارا واسعا في هذه المناطق الشاسعة والجزر المترامية بغير حرب ولا سلاح وبصورة سريعة بدأ التصوف يرسي تعاليمه ومبادئه الروحانية في نفوس الملايويين تدريجيا حتى ترسخت أفكاره في المجتمع بشكل راسخ وملموس حتى يومنا هذا؛ فمع مجيء الشيخ عبد الله العارف كان مجيء الشيخ إسماعيل ظفي الذي زار آتشيه بشمال سومطرا الإندونيسية، وعمل على الدعوة إلى الإسلام متلازما مع نشر طريقته القادرية، وكان هناك داعية عربي آخر هو عبد الله الذي زار ولاية قدح الماليزية الشمالية عام 531 هـ ناشرا الإسلام بين سكانها خلال 5 سنوات فقط، وتقول الحكايات بأنه هو الذي سمى الولاية بهذه الاسم بعد أن صار ملك الولاية يطيع الشيخ فيما ينصحه به، وقبره معروف بالولاية.
ومن هؤلاء الدعاة الأوائل الشيخ أبو عبد الله مسعود بن عبد الله الجاوي الذي ذكره الشيخ يوسف النبهاني قائلا بأن "الشيخ الجاوي عالم مشهور كان له تلاميذ كثيرون في عدن"، وقد توفي في سنة 768هـ، وكان معاصرا لابن بطوطة، وعاش في مملكة باساي الإسلامية الشهيرة بسومطرا، وهكذا جمع الجاوي بين تأثيره بين العرب والملايويين في آن واحد، لكن مؤلفاته اختفت اليوم.
الأولياء التسعة: فريق دعوي متكامل
وفي القرن التاسع الهجري (الـخامس عشر الميلادي) اشتهرت في جزيرة جاوا الإندونيسية الواقعة جنوب شبه جزيرة الملايو قصة الأولياء التسعة الذين كانوا من أوائل الدعاة الذين نشروا الإسلام بين أهالي الجزيرة ومخلصي سكانها من ظلام الهندوسية والبوذية والوثنية، وكانوا يعملون كفريق دعوي، ويسمى رئيسهم الولي، وكان عندما يتوفى أحدهم يرشحون داعية آخر مكانه حتى يظل العدد هو (9) دعاة، وأشهرهم:
1.مولانا إبراهيم المغربي: الهندي الأصل، وهو أول مؤسس لمدرسة دينية تقليدية تخرج المبلغين بالإسلام في جاوا.
2.ورادين رحمة الله سونن: الكمبودي الأصل، ويعتبر المؤسس والمخطط الأول للدولة الإسلامية في جاوا، ويلقب بالسلطان شاه سري العالم، وقبره في مسجد أمبيل اليوم.
3.سونن مخدوم إبراهيم: وعمل بالدعوة في شمال جزيرة جاوا الشرقية.
4.رادين فاكو أو سونن جيري: وأصله من بلمبانغن، ونشر الإسلام في سولاويزي، وكان رجلا تربويا يهتم بتنشئة أطفال المسلمين على ألعاب إسلامية، وقبره قريب من غيراسيك في سورابايا.
5.الشريف هداية الله: الشهير باسم سونن جونونج جاتي.
6.جعفر الصادق: قام بنشر الإسلام في سواحل شمالي جاوا الوسطى، وكان أديبا شهيرا يكثر من كتابة القصص الدينية، ودُفن بمنطقة سميت باسمه.
7.رادين براووتو أو سونن موريافادا: وكان ينشر الإسلام بين التجار والصيادين، ويتقن فن غناء الجاميلين التقليدي عند الجاويين؛ فكان ينشر الإسلام بالإنشاد لعامة الناس، وقبره في جبل موريا. 
8.شريف الدين: وكان يميل إلى الأعمال الاجتماعية، شديد التدين، ويحرص على الأعمال الخيرية ورعاية الأيتام والمرضى.
9.الشهيد الشهير بلقب سونن كاليجوجو: مخترع أسلوب واينج كوليت القصصي في جاوا الذي استغله لنشر الإسلام، وكان ينشر الإسلام في جنوبي جاوا الوسطى.
كشف المبتدعة
وقد عرف عن هؤلاء الأولياء التسعة أنهم تسببوا في فضح الشيخ سييتي جنر وقاموا بكشف الوجودية في مذهبه؛ مما أدى إلى الحكم عليه بالإعدام هو وعدد من أتباعه، وهو كان واحدا منهم لكنه انحرف بعد ذلك، ولم يعد يحضر هو وتلامذته صلاة الجمعة، متبعا إفتاء الناس بأخف التكاليف، وقد استفاد هذا الصوفي الوجودي من اعتلاء وزير شيعي منصبا هاما في مملكة باساي، قام بطرد أهل السنة والجماعة من مملكته، لكن سلطان آتشيه الإسلامية عاون مالك مصطفى الذي قاد الشعب لهزيمة الشيعة سياسيا في سومطرا، وذلك في بداية القرن الخامس عشر الميلادي غير أن ما بقي من آثار تلك الفترة هو بعض أفكار التصوف الفلسفي المخالف للتصوف السني.
وكان قد سبق ذلك بعامين مجيء عالمين شيعيين ثم عالمين وجوديين إلى آتشيه، وكان بينهما خلاف كانت له آثار سلبية، لكن آثاره الإيجابية كانت باندفاع شعوب هذه المنطقة إلى التعلم والبحث عن العلم الشرعي الصحيح حتى صارت آتشيه في الثلث الأول من القرن السابع عشر الميلادي منارة للعلم تشبه بغداد ودمشق ومصر أيام الخلافة، ولم يكن هذا أول خلاف تسبب فيه صوفية وجوديون، بل ظهر صوفيان في أوائل القرن الخامس عشر أيضا ساهما في تشتيت الأمة الإسلامية في وقت عزتها.
أجيال من الأسماء الشهيرة
وهكذا برزت أسماء مشهورة في تاريخ مسلمي جنوب شرق آسيا مثل شمس الدين باساي الذي كان يتبع الجنيد البغدادي
قدس الله سره، وحمزة الفنصوري الذي يُعد أشهر علماء الصوفية في العالم الملايوي، ويتحدث عنه بإسهاب، فيما تركه من آثار ومؤلفات كثيرة؛ ولأنه كان في سومطرا الأقرب لما يعرف بماليزيا اليوم؛ فقد كان دوره واضحا في نشر الصوفية في ماليزيا التي زارها في الفترة التي عاش بها بين عامي 1589م و 1604م، وكان من تلامذته صوفيون ملايويون كبار مثل الشيخ شمس الدين السومطراني، لكنه في نفس الوقت كان محل جدل واسع بين الدارسين المسلمين منهم والمستشرقين؛ فمنهم من اتهمه بالانحراف ومنهم من مدحه بأنه شافعي قادري صحيح العقيدة، وفريق ثالث يقول بأنه صحح مذهبه بعد انحرافه، مستدلا ببعض مؤلفاته. ومن أسباب الاهتمام الواسع بشخصيته رحلاته الواسعة في بلاد الحجاز وولايات العالم الملايوي، غير أنه يمثل نموذجا للآثار السلبية والإيجابية في آن واحد، والمواجهات الساخنة بين أعلام الصوفية، وفي هذا النموذج نجد أن الشيخ نور الدين الرنيري قد واجه الفنصوري.
ويستمر سجل تاريخ مسلمي عالم الملايوي في اتساعه وتجدده؛ فبعد هذا الجيل ظهر الشيخ عبد الرؤوف الفنصوري سينغكل (ت.1693م) أول من نشر الطريقة الشطارية إلى جانب العالم الشهير داود بن عبد الله الفطاني، وتلقى سينغكل العلم والتصوف في المدينة المنورة، واتجه إلى سومطرا وجاوا الإندونيسيتين وشبه جزيرة الملايو؛ لتكون طريقته أسرع وأوسع انتشارا في عهده قبل اشتهار الطريقتين النقشبندية والقادرية؛ فكانت أكثر الطرق أتباعا وأكثرها قياما بدور الدعوة في جنوب شرق آسيا في تلك السنوات، والشيخ سينغكل أول مفسر للقرآن باللغة الملايوية (ترجمان المستفيد أو التفسير البيضاوي الشريف)، وله 28 مؤلفا في المواعظ والحديث والأديان والأنساب والفقه، وخلافا للرانيري الذي كان شديدا في مواجهته مع الزنادقة والمبتدعة والملاحدة؛ فإن سينغكل اتبع أسلوب المناظرة والإقناع الهادئ بنصوص الكتاب والسنة والأدلة العقلية.
ومن بغداد سافر كبير من كبارها هو الشيخ عبد الملك عبد الله إلى مكة ثم إلى آتشيه وجزيرة الملايو؛ حيث استقر في ولاية ترنغانو الشرقية، وولد له ابنه عبد الملك الحفيد في أواسط القرن السابع عشر فاتجه الولد إلى الحرمين لمواصلة طلب العلم على يد أكابر العلماء آنذاك، متلقيا عنهم الطريقة الشطارية، وعند عودته أسس أول مدرسة دينية على النمط التقليدي بولاية ترنغانو، وهو بذلك أول من درَّس التصوف نظاميا في شبه جزيرة الملايو، وصار له نفوذ واسع بعد أن تزوج سلطان الولاية من ابنته، وقد بقي من كتبه أربعة في الفقه والتصوف؛ أحدها هو "شرح الحكم في التصوف" الذي طبع عشرات المرات، وهو أول وأكبر كتاب ملايوي في التصوف السني، متقدما على عدد من الكتب الشهيرة الأخرى في المنطقة، مثل هداية السالكين، وسير السالكين، والدر النفيس، وسبيل الهداية ومنهاج العابدين وغيرها.
ولعل عدم اهتمام الملايويين في الكثير من الفترات بالمخطوطات قد أضاع أعدادا كبيرة منها، كان يمكن أن تكون مصدرا هاما للغاية لتأريخ الفكر الإسلامي على مدى قرون مضت. وقد جرت العادة بين الملايويين ألا يذكر المؤلف اسمه إما خوفا من أن يكون ما ألفه لا يتوافق مع ما يريده الملك، أو أن السلطان قد طلب منه التصنيف فاعتبر كتابه ملكا للمجتمع وليس ملكا فرديا، أو بسبب سعي كثير منهم إلى استفادة المسلمين من علمه كصدقة جارية إخلاصا للنية. 
ولا يستطيع من يتحدث عن الصوفية والعلماء الملايويين المتأخرين أن يتجاهل ذكر الشيخ داود بن عبد الله الفطاني الجاوي (ت 1297هـ) صاحب الرحلة الطويلة إلى مكة والمدينة وغيرها، وسجل شيوخه ممتلئ بمشاهير العلماء في عصره، وما يزال يلقى اهتمام الباحثين بسبب اهتمام حفيده بميراثه العلمي الذي وصل إلى 101 كتاب في جميع فروع العلوم الشرعية، عثر على 66 منها حتى الآن؛ حيث أسس مطبعة خاصة بذلك في كوالالمبور سهلت على الباحثين مهمة مراجعة علم هذا الداعية، وتتبع تلامذته الذين من بينهم علماء معروفون، حتى إن شهرته بلغت أن ينشر البعض كتبا باسمه لنشر كتبهم، وقد عقد مؤتمر لدراسة آثاره بولاية كلانتان لمدة يومين ابتداء من (11/9/2002).
وقد ظهر عدد كبيرة من العلماء الصوفيين في إندونيسيا على وجه الخصوص بعد داود الفطاني في مرحلة صار الإسلام دين الغالبية؛ فكان دورهم هو تقوية إسلام هؤلاء بنشر الكتب، وتأسيس المدارس، وتنظيم حلق الذكر، وبناء المساجد حتى صار علم التصوف وطرقه منتشرا انتشارا ملحوظا لأتباع الدعاة المشهورين، وذلك بين القرنين السابع عشر ونهاية القرن التاسع عشر الميلاديين. 
وفي الختام لا بد من التأكيد على أن أعدادا كبيرة من الدعاة الصوفيين وغير الصوفيين من العالم العربي وشبه القارة الهندية ومن الملايويين من هو مجهول الاسم، وما ذكرنا وما يذكر في الكتب لا يمثلون إلا قلة منهم
. 
المصدر: موقع اسلام أون لاين
.

مفاهيم التصوف



التصوف في الفكر الإسلامي

عيد الدرويش
الكتابة عن التصوف تتطلب جهداً غير عادي للدخول في الفصل بين المفاهيم والمصطلحات والمعاني والدلالات واشتقاقاتها في معناه اللفظي والمجازي والتي اتسم بها هؤلاء بهذه الصفة والتطرق إلى منهجية الدراسة لتوضيحها أو الإمعان بها من أجل الوصول إلى جوهر التصوف وأبعاده الكونية الإلهية فلا بد لأي دارس لهذه الظاهرة من دراسة الفكر الإسلامي، فقد كثرت الدراسات حول هذا المفهوم والمصطلح وأمعن بعض الدارسين في تكوين رؤية إسلامية لهذا التصوف إلا أن أغلب الدراسات لم تصل إلى دراسة جادة تضع النقاط على الحروف من أجل تفسيرها وبيان مكوناتها.‏ 
فتكثر المصطلحات واشتقاقاتها فمنهم من يقول: أن الصوفية جاءت من أهل الصفة الذين يعزفون عن الدنيا والعيش مع اللذات الإلهية التي جاء بها القرآن الكريم، وفي موضع آخر يأتي معنى التصوف من الصوف الذي يلبسونه للخشونة وهذه مجاهدة للنفس التي يريدون من خلالها الوصول إلى العبادة المطلقة وهم أهل الورع والتقوى.‏
ومنهم من يقول (إن التصوف جاء من الصفة التي اتصف بها العابد والورع بجملة من المحاسن واعتماد الأوصاف المحمودة وترك الأوصاف المذمومة)، ويشير القشيري إلى كلمة التصوف بأنهم أهل الصفوة إلا أن العديد من ينكر ذلك بأن هذا اللفظ لم يشيع في عهد الصحابة والتابعين الذين كانوا في حالة صفاء روحي بل تضاف إلى جملة المصطلحات التي أُحدثت مثل النحو والفقه والمنطق.‏
ومن التعاريف التي ترامت من القواميس والمخزون المعرفي بأن التصوف كما ورد في الرسالة القشيرية (التصوف ألا تملك شيئاً ولا يملكك شيء)، وفي طبقات الصوفية قال النوري (ليس التصوف برسوم ولا علوم ولكنها أخلاق) فالصوفية هي تجمع معاني ومبادئ الأخلاق وهي (ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك) فالتصوف علم لدني وفلسفة ليس ككل الفلسفات التي تقوم على المنطق، وهو موهبة ربانية فالمتصوف شأنه شأن أي مدافع عن مذهبه.‏ 
وهو فلسفة الإسلام الدينية إلا أن التطرق إلى الدخول في عالم الصوفية ليس بالشيء اليسير ولأن الدروب التي سلكوها شاقة.‏ 
ويقول أحدهم: 
(التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق) ومن التعاريف اللغوية تشير كلمة (Mystic) في اللاتينية يقابلها في العربية (صوفي).‏ 
فبقي اشتقاقها مرهوناً بالمدلول الديني، وهو من الصفاء ويشير القشيري أيضاً اشتقاقها من الصفاء بعيد عن مقتضى اللغة ويضيف أيضاً (مثل قول من قال أنه من الصوف) والتصوف أي ليس الصوف مثل (تقمص) إذا ليس القميص ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.‏ 
إلا أن ما قبل ظهور الإسلام لم يظهر هذا المصطلح وحتى في صدر الإسلام، فنلاحظ أن هذا المصطلح ظهر في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة التابعين ففي صدر الإسلام لم يكن الناس بحاجة إلى دراسة الورع والتقوى، بل كانوا كلهم مجاهدين ومقبلين على العبادة بطبيعتهم وبحكم قرب اتصالهم برسول الله 
صلى الله تعالى عليه و سلم فهم يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به، فلم يكن ثمة ما يدعوهم إلى تلقين علماً يرشدهم في الاقتداء به، مثل العربي يعرف اللغة العربية بالتوارث كابر عن كابر حتى أنه ليقرض الشعر البليغ بالفطرة دون أن يعرف شيئاً عن قواعد اللغة العربية والنظم، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغة ولكن دروس البلاغة تصبح لازمة وضرورية هي وغيرها من القواعد والعلوم عند تفشي اللحن وضعف التعبير أو لمن يريد من الأجانب أن يتفهمها ويتعرف عليها أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية العلوم التي نشأت وترعرعت وتم تأليفها على مر العصور، فالصحابة لا يتسمّون باسم المتصوفين بل كانوا يعيشون هذه الحالة وتظل المذاهب والرؤى هي حتمية الفعل والمتغيرات والحراك الاجتماعي يلعب دوراً رئيسياً في ذلك.‏ 
وعندما دخلت إلى الإسلام أمم شتى وأجناس عديدة واتسعت دائرة العلوم وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص قام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يجيده دون غيره فنشأ علم التوحيد وعلوم الحديث وأصول الدين والتفسير والمنطق ومصطلح الحديث وغيرها كثير فأصبح بعد هذا العصر يتضاءل التأثير الروحي شيئاً فشيئاً فأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية مما دعا أرباب الرياضة والزهد أن يعملوا على تدوين ذلك من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم ولم يكن ذلك احتجاجاً على انصراف بعض الطوائف الأخرى إلى تدوين العلوم كما يزعم بعض المستشرقين بل كان كما يجب أن يكون سداً للنقص واستكمالاً لحاجات الدين في جميع نواحي النشاط أن أول من أسس أُسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي 
صلى الله تعالى عليه و سلم( بعد ما بينها واحداً دينا بقوله هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم وأورد صاحب كشف الظنون في حديثه عن علم التصوف كلاماً للقشيري قال فيه: اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم( لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم صحابة الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم( إذ لا أفضلية فوقها فقيل لهم الصحابة، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين كما يضيف القشيري في رسالته أنه يجب عدم التركيز على الاشتقاق اللغوي إنما سمي الصوفية صوفية وذلك لتميزهم عن غيرهم من أصحاب الحديث واللغة والتفسير وعلم الكلام وغيرهم ويقول أبو يزيد البسطامي مخاطباً المتفقهين وأصحاب العبارة (أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت) فالفقيه يؤكد على روايته فيقول حدثني فلان عن فلان عن فلان والصوفي يقول حدثني قلبي عن ربي فشتان بين القولين فالأول أخذ علمه عن من مات فأين فلان هذا الذي مات فالصوفي يقول أخذت علمي عن الحي الذي لا يموت.‏ 
ويواجه عالمنا الإسلامي بعامة والعربي خاصة واستخدام المصطلحات الغربية وهي أن يفعل الإنسان أي شيء في حدود القانون الوضعي المتغير لا في حدود شريعة الله 
عز و جل الثابتة. وكثيراً من الحريات في القوانين الوضعية الغربية والتي تتمثل في حرية الرأي مثلاً تتيح للمشركين بالله أن ينشروا دعاويهم على الناس فيستجيب لهم بعض الجاهلين فيزعمون أن الطبيعة خلقت نفسها بنفسها ولا أثر للخالق.‏ 
فعلى النقيض من ذلك نجد الماديين ينضمون تحت ألويتهم شريحة واسعة بلا وعي ويحاكموا ذلك الفكر الملحد الذين يدعون أن الإله والكون مادة.‏ 
كما تتيح الحرية في مفهومها الغربي حرية ممارسة الجنس الواحد (المثلية الجنسية) وهذا أسوأ ما انحدر إليه مفهوم الحرية عند الغربيين.‏ 
وهناك فريق كبير لا يستهان به من المجتمعات الغربية التي تسخر من بعض الشعائر الدينية الإسلامية ومنها مثلاً الحج والطواف حول الكعبة بأنها لا فائدة من تلك العملية ولكن ألا نسخر منهم عندما يطوفون حول ضريح لينين وتقبيل تمثاله ويطوفون حوله.‏ 
وكذلك الصيام الذين لا يؤمنون به ويروون أنه عادة غير نافعة ولكن أين هم من الصيام البوذي للمجتمعات الأخرى هذا هو الإسلام وتعاليمه ستظل قائمة ما دام هناك من يناشد أمة الأرض أن لا إله إلا الله ولا يمكن أن يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذه تعاليم الإسلام وهذه الشريعة الكاملة والمرنة كل المرونة وهي مصدر لكل القوانين والتشريعات ومصدراً لكل العلوم الدنيوية والأخروية.‏ 
وإذا كانت مهمة دعاة الإسلام المخلصين أن يعيدوا لهذا الدين روحه وأن يفتحوا له مغاليق القلوب فما قصد الصوفية في كل عصر وزمان إلا بالعودة بالمسلمين إلى ظلال الأنس بالله ونعيم مناجاته وسعادة قربه بإرجاع روحانية الإسلام إليه دون تطرف وتعصب واعتداء بل هو رسالة لكل مكان وزمان وإذا كان خصوم الإسلام قد عملوا على تشويه معالمه فوصموه بالجمود والقصور واتهموا أتباعه بالرجعية والتأخر ومن ثم صبوا عليه حملاتهم المغرضة بأساليبهم المدروسة المبتكرة فتارة يشككون الناس في المذاهب الفقهية المعتمدة وتارة أخرى يطعنون في بعض رواة الحديث من صحابة رســول الله 
صلى الله تعالى عليه و سلم).
ويلفت الأنظار الطعن المقصود والهجوم العنيف على التصوف الإسلامي وما ذلك إلا جوهر الإسلام وروحه النابضة وحيويته الفعالة فلقد أراد المبطلون تشويه معالمه وتصويره فلسفة خيالية وضعفاً وزهداً وانعزالاً وذلك يعتبرونه ابتداعاً خرافياً. ولكن الله 
عز و جلأبطل دعواهم وأذن لدينه بالحفظ والبقاء فتحطمت أقلامهم وذهبت الريح بدعواهم وبقي التصوف منارة السالكين إلى اللهعز و جل تعالى فهو خلاصة من القيم والأخلاق المكتنزة بالخصال الروحية الحميدة.‏ فبدأت الرسالة مع الرسول العربي الكريم بـ(اقرأ) واقرأ لها دلالتها إذ هي من الله عز وجل عن طريق جبريل الأمين عليه السلام ولم يكن الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم بقارئ لكن جبريل عليه السلام قال له كماء جاء في الآية الكريمة: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم( بدأت الدعوة الإسلامية إذن بعلم وهبي وهَبَه الله تعالى للرسول( بلا مكابده ولا معاناة ولا تحصيل ولا اكتساب إنما بوحي منه تعالى فمن آمن بالله خالقاً وبالرسولصلى الله تعالى عليه و سلم نبياً ومبشراً ونذيراً فإن عليه أن يؤمن بالعلم اللدني الذي يأخذه المؤمن من الله عز و جل بلا واسطة أو حجاب وإذا كان هذا العلم لا يحظى به إلا طبقة خاصة وهم المؤمنون إلا أن ذلك ليس معناه أن ينكره الحاقدون والطاعنون في الإسلام.‏
لقد أخذ الصوفية بالعلم اللدني وفتح لهم بعض أسرار الله 
عز و جل وكشفت عنهم بعض الحجب وعاينوا بعض النعم والمعارف الإلهية يقظة ومناماً وذلك اقتداء بشخصية الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم لأنهم واكبوا سنته المباركة وساروا على هديه وتطبعوا بطباعه وحاكوه في سلوكياته ومشوا على أثره وهكذا كان التابعون بعد الصحابة على قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم( ولذلك نجح المسلمون في عصر الإسلام الزاهرة في قيادة العالم كله علمياً وأخلاقياً وسلوكاً علمياً لأنهم استنوا بسنة الرسول( في تفكيره وفي مأكله ومشربه وملبسه ونظرته إلى الدنيا وطلبه الآخرة ولم يضعف المسلمون ولم يهنوا إلا عندما تركوا شريعة الله فتكالبوا اليوم على المال والرياش.‏ 
وفي هذا المعنى يحدثنا الرسول
صلى الله تعالى عليه و سلم يقول أتاني جبريل عليه السلام بمفاتيح خزائن الأرض فو الذي نفسي بيده ما بسطت إليها يدي، لو علم المشرع أن المال يمكن أن يكون غاية للإنسان لبسط يده إلى مفاتيح خزائن ولو علم فيها خيراً له ولأمته ما تركتها أبداً ولبسط يده إليها فأخذها ونعم بها لنفسه وصحابته وأمته جميعاً لكنهصلى الله تعالى عليه و سلم تزهدت نفسه في الدنيا ونعيمها بعد أن أطلعه الله سبحانه وتعالى على حقيقتها.‏
لقد كره الرسول 
صلى الله تعالى عليه و سلمهؤلاء الذين اغتروا بالدنيا وجعلوها جل همهم فعبدوا الدراهم والدينار وسماهمصلى الله تعالى عليه و سلم بالأشرار ويقول فيهم: شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون بالكلام.‏ 
حدد لنا الرسول
صلى الله تعالى عليه و سلم الشر والأشرار وبين لنا أنهم المنغمسون في الرفاهية والتنعم على حساب المثل العليا والمعايير الأخلاقية والآداب وأن هذه الحياة التي يعيشون فيها لا خير فيها لأمته من بعده.‏
فالصوفيون لا يهتمون بما يحدثونه من كرامات وخرق عادات ما لم تكن على الشريعة فلا يعول على من يمشي على الماء أو يطير في الهواء أو يأتي بفاكهة الصيف في الشتاء ما لم يكن مؤدياً لحقوق الله 
عز و جلآمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر متأدباً بآداب الله لأنه يجوز أن تكون الكرامة امتحان له من الله واختبار لمعدنه فلا يفتن عندما ينعم الله عليه ببعض هذه الكرامات خوفاً من الافتتان والعبودية لله عز و جل.‏
يمكن أن يستكشفها المؤمن وغير المؤمن لأنها مسخرة لكل إنسان في الأرض ما دام يسعى ويمشي في مناكبها بالدراسة والتحصيل والتجربة والنظر وأما العلم المدني فلا يمكن أن يحظى به إلا من اتبع كتاب الله وسنة نبيه
صلى الله تعالى عليه و سلم في أقواله وأفعاله وأعماله وسلوكه وهذا ما فعله صوفية أهل السنة فذاقوا بعض نعم الله فليس من ذاق كمن لم يذق وفي ذلك يقول الجنيد (لو علم الملوك ما نعانيه (نحظى به) من لذات ونعيم لجلدونا بالسيوف) ويقصد الإمام الجنيد بهذه الإشارة أن الصوفية يتذوقون لذات وينعمون بثمرات ويفيض عليهم الله سبحانه وتعالى بتجليات ويحظون بأسرار ويفتح الله عليهم بمنن وعطايا وهبات ومبشرات لو علم بها ملوك الدنيا وحكامها وقادتها لحاربوا أهل الطريق والعارفين بالله حرباً لا هوادة فيها ولو باستخدام الأسلحة والمكائد والمخادعات ليحظوا ببعض ما يحظى به الصوفية من هذه اللذات ومن ذلك النعيم الذي يتفضل به الله عليهم دون غيرهم هذه ليست دعوة للانغلاق على الذات الإسلامية والتطرف في بعض جوانبها أو في كليتها وليس مناشدة لإلغاء كل العلوم والعيش في حياة الزهد دون التنعم بالحياة التي خلقها الله عز و جل للطيبين وكلوا من طيبات ما رزقناكم كما يشير الغزالي في هذا الجانب أن المؤمن والمتصوف كان زاهداً وتاركاً ملذات الدنيا التي أنعم الله بها على عباده ونعم بها الكافر، إذ لا رهبنة في الإسلام وبين هذا وذاك يمكن أن نستقي من خلال هذا الاستعراض لمفهوم التصوف وحدوده أهمية الأخلاق والمبادئ والنظم التي جاء بها الإسلام في سنن وشرائع تستمد منها كل السنن والشرائع الوضعية، فكان الإسلام تشريعياً اجتماعياً واقتصادياً ودروساً وعبر ضمن منهجية وأسس وصيغ معاصرة تتوافق وحركة المجتمع.‏ 
فالتصوف لم يسلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء، فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة وعبارات سيئة ما أنزل الله 
عز و جل بها من سلطان ومنهم من أراد أن يفسر دين المسلمين بأشياء أخر تمس عقائدهم فنسب إلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة كالقول بالحلول والاتحاد وبأن الخالق عين المخلوق والمكون.‏ 
ومنهم من حاول تشويه تاريخ الصوفية ونزع ثقة الناس بهم فدس في كتبهم حوادث وقصص من نسج خياله فيها ارتكاب المنكرات واقتراف للآثام والكبائر كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإمام الشعراني 
 عنه وهو منها بريء..‏ 
ومنهم المبشرون والمستشرقون وأبواق الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف والتزوير والدس يقصدون بذلك أن يطعنوا الإسلام في صميمه وأن يسلخوا روح الدين عن جسده.‏ 
ولا أدري كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر.‏ 
ومنهم السذج الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة وبثبوتها في كتبهم وكل هذا بعد عن الصوفية والتصوف فإن قال قائل أن ما نسب إلى الصوفية من أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة.‏ 
نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم لأنها لم تسلم من حملات الدس والتحريف وما أحوجنا إلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين لتنقية هذا التراث الإسلامي خاصة والعربية عامة مما لحق به من دس وتحريف.‏ 
يعتبر العلامة ابن خلدون رائد علم الاجتماع أن التصوف الإسلامي علم من العلوم الشرقية الحادثة في الإسلام والتصوف الإسلامي في نظري له أصول عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم فطريقة الصوفية إنما هي طريق السلف الصالح وهو طريق الحق والهداية والتصوف في رأي ابن خلدون أصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه العامة من الناس من اللذات وطلب المال والجاه ولقد كان الصحابة كما أورد ابن خلدون ينفردون عن الخلف في الخلوة للعبادة ويقول أن ذلك كان عاماً في الصحابة والسلف الصالح.‏ 
ويبين لنا أن ابن خلدون في مقدمته أن السبب في شيوع اسم الصوفية راجع إلى أنه قد تفشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني الهجري وبَعُد كثير من الناس عن العبادة وجنحوا إلى مخالطة أهل الدنيا. لذلك اختص المقبلون على الله العكوف على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة وكأن ابن خلدون يرد على مزاعم بعض المستشرقين والمستغربين عندما يتقولون على الصوفية ويدعون أن هذا التصوف لا أصل له من الشريعة فيقول في ذلك 
(وسار علم الشريعة على صنفين).‏ 
1- صنف اختص به الفقهاء وأهل الفقه وهو الأحكام العامة في العبادات والمعاملات. 
2- صنف اختص به الصوفية وهو في القيام بالمجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام وفي الأذواق والمواجد وكيفية الترقي من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وعلماء الكلام في الكلام وعلماء التفسير في التفسير دوّن رجال من أهل التصوف كتباً في الورع ومحاسبة النفس ويستشهد في ذلك بما فعله القشيري في كتاب الرسالة والسهر وردي في كتاب (عوارف المعارف) كما جمع الإمام الغزالي بين الأمرين وذلك في كتاب (إحياء علوم الدين) كتب الإمام الغزالي عن الورع والاقتداء ثم بين آداب الصوفية وسننهم وشرح اصطلاحاتهم وأدق معارفهم وأصبح علم التصوف الإسلامي علماً مدوناً بعد أن كان التصوف عبارة عن عبادة فحسب والحقيقة أن التصوف مثله في ذلك مثل علم الفقه والكلام والتفسير والحديث كان علماً يتلقى من صدور الصحابة والسلف وإن لم يكن في القرن الأول والثاني قد دون مثل كثير من العلوم الإسلامية إلا أنه كان على الحقيقة موجوداً في صدور الصحابة والتابعين وتابع التابعين لقد كان الشغل الشاغل للصحابة في الصدر الأول للإسلام هو العمل الجاد على حفظ وترتيب القرآن بالسنة ثم أصبحت الحاجة ماسة إلى تدوين العلوم فدونت علوم الفقه والتفسير والحديث ثم نشأ على الكلام ثم التصوف أو كما يسميه ابن خلدون (الطريقة) أو آداب القوم إن المجاهدة والخلود والذكر.‏ 
ويستنتج ابن خلدون من ذلك أن المريد في الطريق الصوفي يتحصل في كل مجاهدة على كل حال أي نتيجة لتلك المجاهدة وذلك الحال أما أن يكون عبادة تترسخ في نفسه فتصير له مقاماً وأما أن تكون صفة للمريد وهذه الصفة تكون حاصلة للنفس كأن تكون حزناً أو سروراً أو كسلاً أو نشاطاً إلى غير ذلك من مقامات وينتهي ابن خلدون إلى القول إن المريد ما يزال يترقى من مقام إلى مقام إلى أن يصل في النهاية إذا صدق إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة فالهدف النهائي للمريد الصادق في الطريق الصوفي هو الوصول إلى التوحيد وشهود أن لا إله إلا الله ويؤيد ذلك بالحديث النبوي من قول الرسول
صلى الله تعالى عليه و سلممن مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة وينبه على أن الترقي من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام لا بد أن يبدأ بالإيمان والطاعة والإخلاص وهنا تصاحب مجاهدة المريد الأحوال والصفات وتأتي عنها نتائج وثمرات فإذا وقع تقسيم من المريد أو خلل في الثمرات التي يتحصل عليها فإنما ذلك تتاح لالتفات المريد الحظوظ الدنيوية أو لوجود آفات كالخواطر النفسية أو الشيطانية لذلك يحتاج المريد إلى إعادة النظر إلى نفسه وعلاج عيوبها والرجوع إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله لأن النتائج مقترنة بالأعمال.‏ 

.

التصوف بين التصحيح والتبرير




التصوف بين التصحيح والتبرير

بسم الله الرحمن الرحيم

مخلف بن يحيى العلي الحذيفي القادري الحذيفي /سورية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ، الحمد لله الذي هدانا لطلب العلم واسأله تبارك وتعالى أن يكرمنا بنور الفهم وان يجعلنا من أهل الصبر والحلم واسأله جل وعلا أن يجملنا بالعافية ويكرمنا بالتقوى إنه على كل شي قدير وبعد :

انه من المعلوم للكبير والصغير وللقاصي والداني وللعربي والعجمي من علماء هذه الأمة الفاضلة أن علم التصوف هو من أجَّلِ العلوم الإسلامية التي قامت عليه الشريعة الإسلامية ، ونحن عندما نقول علم التصوف فإننا نعني بهذه الكلمة التصوف الصحيح الذي بُنيت أُسُسَهُ وقواعده على الكتاب والسنة . 

التصوف الذي بني على الزهد الذي هو من أصول الشريعة الغراء ، بل إن الزهد هو احد مصطلحات التصوف حتى أن الذين كتبوا في علم التصوف من الأوائل كتبوا باسم الزهد كأحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك ، وظاهرة الزهد والزهاد ظهرت في وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة منذ عصر الصحابة الكرام كعبد الله بن رواحة وأبو ذر وأبو الدرداء وأبو هريرة الذين كانت لهم مدارسهم في الزهد الذي نشروه بين الناس وعلى رأسها مدرسة الزهد الكبرى مدرسة سيدنا علي بن أبي طالب ، فأخذه عنهم الحسن البصري , وعروة بن الزبير, وأويس القرني , وعبد الله بن المبارك ثم إبراهيم بن ادهم , والفضيل بن عياض , والجنيد البغدادي , وأبو بكر الشبلي , وسري السقطي , وذو النون المصري .

وهؤلاء هم الذين أسسوا علم التصوف فهو علم كبقية العلوم له أصوله وله أسسه وقواعده وهو نابع من الكتاب والسنة وأصحاب الصفة رضي الله عنهم ثم ازدادت في عصر التابعين وتابعيهم وكان ظهورهم نتيجة لتزايد انشغال الناس بالدنيا وترفها .

فكان ظهور هذه الفئة من العباد والزهاد تذكيراً للمجتمع وإيقاظاً له، خاصةً أن بوادر الترف في حياة المجتمع كانت قد بدأت تظهر فكان لظهور هؤلاء العباد ولأقوالهم وأحوالهم أثراً تحذيرياً للمجتمع من أن يقع فريسة الترف والغفلة وتذكيراً له بمهمته الأساسية من الذكر والعبادة، وإعلاناً بأن هذه الدنيا لا قيمة لها، فهذا كان له أثر الإيقاظ للمجتمع وبوادر الترف تهجم عليه، ولذلك كانت أقوال هؤلاء العباد تدور حول هذه المعاني وحول محبة الله _عز وجل_ والانقطاع لـه وتقديم محبته والتعلق به على سائر العلائق، وكانوا يوصون مع ذلك بأن يرد كل ما يصدر عنهم إلى الكتاب والسنة . 

هكذا كانت نشأة هذا العلم الجليل (علم التصوف) ولم يكن يعرف بالتصوف ولكن أطلقت هذه التسمية فيما بعد .

واسمع إلى قول ابن خلدون في مقدمته ص 329 : (وهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة , والانقطاع إلى الله تعالى , والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها , والزهد في ما يقبل علية الجمهور من لذة ومال وجاه , والإنفراد عن الخلق , والخلوة للعبادة , وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) . 

وأورد صاحب كشف الظنون في حديثه عن علم التصوف في الصفحة 414 كلاماً عن الأمام القشيري قال فيه : (اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَتَسمَّ أفاضلهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام , إذ لا أفضلية فوقها فقيل , لهم الصحابة ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ـ ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ـ الزهاد والعباد ثم ظهرت البدعة وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادَّعوا أن فيهم زهاداً , فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى , الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف , واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المأتين من الهجرة ولو رجعت إلى رجال التصوف الأوائل الذين أسسوه كأمثال (الحسن البصري , وعروة بن الزبير, وأويس القرني , وعبد الله بن المبارك ثم إبراهيم بن ادهم , والفضيل بن عياض , والجنيد البغدادي , وأبو بكر الشبلي , وسري السقطي , وذو النون المصري وعبد القادر الجيلاني والمحاسبي ) كانوا كلهم علماء عاملين دعاة إلى الله ساروا إلى الله بالكتاب والسنة ملتزمين بالسلوك المحمدي وبسيرة السلف العظام وكانوا دعاة إلى الله) .

فلذلك ظهرت أنوارهم وبقيت آثارهم فالتصوف حقيقة أن تتعلم العلم الشريف الذي هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة ثم يعمل بهذا العلم الذي تعلمه ثم يسعى لاكتساب الصدق والإخلاص وذلك يكون بالاستعانة بالله تعالى والعكوف على الذكر والعبادة لتصفية الروح وتزكية النفس وشفاء القلب السقيم فلا تصوف بدون علم ولا ينفع العلم بلا عمل ومن قال بغير هذا فهو ليس من التصوف في شيء .

فهذا هو إمام أهل السنة الأمام احمد بن حنبل رحمه الله يقول : (لولده عبد الله يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة ويقول عن الصوفية لا أعلم أقواماً أفضل منهم) . كتاب تنوير القلوب ص 405 وغذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني 1120 .

وهذا هو حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله يقول :( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق) . كتابه المنقذ من الضلال صفحة 49.

وهذا هو سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمة الله يقول : ( قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تتهدم دنيا وأخرى وقعد غيرهم على الرسوم ) كتاب نور التحقيق للشيخ حامد صغر ص 96 .

وهذا هو الأمام الحجة شيخ الشافعية النووي رحمه الله وهو ثقة بإجماع الأمة يقول : ( أصول طريق التصوف خمسة : تقوى الله في السر والعلانية , إتباع السنة في الأقوال والأفعال , الأعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار , الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير , الرجوع إلى الله في السراء والضراء ) كتاب مقاصد الإمام النووي والتوحيد والعبادات وأصول التصوف ص 20 . 

وتحدث الأمام أحمد ابن تيمية رحمة الله تعالى عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة فقال : ( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض , وإبراهيم بن أدهم , وأبي سليمان الدارني , ومعروف الكرخي , والسري السقطي , والجنيد بن محمد , وغيرهم من المتقدمين , مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني, والشيخ حماد , والشيخ أبي البيان , وغيرهم من المتأخرين فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين , بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت . وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف , وهذا كثير من كلامهم ) . الجزء العاشر من مجموع فتاويه .

وهذا هو الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى يقول : ( إن كثيراً من الجُهَّال يعتقدون في الصوفية أنهم متساهلون في الإتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون وحاشاهم ( الصوفية ) من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به فأول شي بنوا عليه طريقهم إتباع السنة واجتناب ما خالفها , الاعتصام لشاطبي) .



هذا هو علم التصوف وهكذا نشأ وهكذا كانت سيرة رجاله رضوان الله عليهم الذين التزموا بهذه القواعد والأسس الشريفة التي بني عليها هذا العلم الجليل وكانت ثمرة هذا الالتزام والتمسك الصحيح أن فتح الله عليهم واصطفاهم وأخلصهم لنفسه وأحبهم الله لزهدهم في الدنيا وأحبهم الناس لحب الله لهم ولزهدهم فيما أيدي الناس وذلك لحديث الرجل الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله دلني على عمل إذا فعلته أحبني الله وأحبني الناس ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أزهد في الدنيا يحبك الله ، وأزهد فيما عند الناس يُحبك الناس رواه ابن ماجة عن سهل بن سعد الساعدي .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض .

وسخر الله لهم العباد وألقى هيبتهم في قلوب السلاطين والملوك والحكام فسعى الملوك ورائهم بينما الناس تسعى وراء السلاطين والحكام والأمراء ونظروا للدنيا بعين الحقيقة بنظرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( لا تعدل عند الله جناح بعوضة ) فلذلك فتح الله عليهم وكثر السالكون على أبوابهم واتبعهم الناس واهتدى على أيديهم الضلال واسلم الكفار ورجع الفساق إلى جادة الصواب فكانوا مشاعل من نور أضاءت للناس طريقهم ووضحت لهم سبلهم خير مثال على هذا الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه .

واسمع إلى قول شيخ الإسلام الشيخ محي الدين النووي رحمه الله في الشيخ عبد القادر الجيلاني : (كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد وانتهت إليه رياسة العلم في وقته , وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق وتتلمذ له خلق لا يحصون عدداً من أرباب المقامات الرفيعة , وانعقد علية إجماع المشايخ والعلماء رضي الله عنهم بالتبجيل والإعظام , والرجوع إلى قولة والمصير إلى حكمه ,وأُهرع إليه أهل السلوك من كل فج عميق وكان جميل الصفات شريف الأخلاق) . قلائد الجواهر ص 137 نقلا عن بستان العرافين .

وقد ذكر هذا الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه ( هكذا ظهر جيل صلاح الدين) فقال : (وتدل الأخبار المتعلقة بالمدرسة على أنها لعبت دوراً رئيسياً في إعداد جيل المواجهة للخطر الصليبي في البلاد الشامية . فقد كانت المدرسة تستقبل أبناء النازحين الذين فروا من وجه الاحتلال الصليبي , ثم تقوم بإعدادهم ثم إعادتهم إلى مناطق المواجهة الدائرة تحت القيادة الزنكية . ولقد اشتهر ـ فيما بعد ـ نفر من هؤلاء الطلاب منهم ابن نجا الواعظ الذي أصبح فيما بعد مستشار صلاح الدين السياسي والعسكري , والحافظ الرهاوي , وموسى ابن الشيخ عبد القادر الذي انتقل إلى بلاد الشام ليسهم في النشاط الفكري , وموفق الدين ـ صاحب كتاب المغني ـ وأحد مستشاري صلاح الدين , وقريبه الحافظ عبد الغني اللذين وفدا للالتحاق بمدرسة سيدي الشيخ عبد القادر بعد أن نزحت أسرتهما من جماعيل في منطقة نابلس إلى دمشق) . 

ولقد وصف ابن قدامة المقدسي طريقة عبد القادر في التعليم وأثره في طلبته فقال : ( دخلنا بغداد سنة إحدى و ستين وخمسمائة . فإذا بالشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علماً وعملاً وحالاً واستفتاءً . وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم , والصبر على المشتغلين وسعة الصدر . وكان ملء العين وجمع الله فيه أوصافاً جميلة وأحوالاً عزيزة وما رأيت بعده مثله ) . 

واستطاع الشيخ عبد القادر ومن عاصره وعلى رأسهم الإمام الغزالي الذي سبق الجيلاني بهذا وغيره من السادة الصوفية أن يتصدوا للهجمات التي تعرض لها العالم الإسلامي .

وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق الكيلاني في كتابه الشيخ عبد القادر عن دور الصوفية في التعامل مع الأحداث العامة للبلاد فقال : لقد كان نشوء التصوف رداً على انحراف ميزان المجتمع الإسلامي بشدة نحو المادة ونحو الدنيا وزينتها وقد نجح في إيقاف السيل الجارف , أو الحد من قوته في كثير من الأحيان ووقف الكثير من أئمة التصوف في وجه الظلم والطغيان , وقالوا كلمة الحق غير خائفين أو وجلين , تحقيقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أفضل الجهاد كلمة عدل _أو حق _ عند سلطان جائر ) . كموقف سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني مع الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله , وعز الدين بن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل ثم مع نجم الدين أيوب ومماليكه في مصر , ومنذر بن سعيد البلوطي مع عبد الرحمن الناصر في قرطبة , والنووي مع الظاهر بيبرس , والشيخ سعيد الحلبي مع إبراهيم باشا المصري , وكثير غيرهم , هذا بالإضافة إلى إسلام كثير من الكفار وتوبة كثير من العصاة والفساق على أيديهم , كما حدث لسيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني , إذ أسلم على يديه خمسة آلاف من الكفار وتاب أكثر من مائة ألف من العصاة , كما أن بعضهم قد جاهده بيده وسيفه . وكذلك سيدي أحمد البدوي ومريدوه قد ساهموا مساهمة فعالة في رد الحملة الصليبية على مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا .

والمرابطون في إفريقية , وأصلهم من قبيلة لمتونة , تنسك أولاً رجل منهم يدعى يحيي بن عمر على يد عبدا لله بن ياسين الجزولي , وصاروا يعبدون الله سبحانه وتعالى في ربوة سموها رباطاً , وأخذ عددهم يزداد حتى بلغ ألفاً من الرجال , وكانوا في بدء الأمر قد تفرغوا للعبادة والتأمل والتعلم وإصلاح الباطن وتزكية الأخلاق مدة عشر سنوات , وعند ذلك قال لهم شيخهم : اخرجوا الآن و جاهدوا فلن تغلبوا من قلة ولا من ضعف , فخرجوا وغلبوا على إفريقية وشكلوا دولة المرابطين , وبعد وفاة يحيي بن عمر تولى يوسف بن تاشفين الذي بني مدينة مراكش ثم انجد المسلمين في الأندلس وكان السبب في تأخير خروج المسلمين منها لمدة أربعة قرون أخرى , وذلك بعد انتصاره على ملك الإفرنج ألفونسو في معركة الزلافة سنة 479هـ . وهي من المعارك الفاصلة في التاريخ , قضى فيها المرابطون على جيش ألفونسو , وكان 50 ألفاً وقيل أكثر من ذلك , فلم ينجُ منهم سوى خمسمائة جندي .
وعبد القادر الجزائري رحمه الله تعالى , حارب المستعمرين الفرنسيين في الجزائر مدة خمس عشرة سنة , ومحمد غازي والشيخ شامل اللذان حاربا الروس خمساً ثلاثين سنة هما من الطائفة النقشبندية , والحركة السنوسية التي حاربت إيطاليا في ليبيا , والحركة المهدية التي حاربت الإنكليز في السودان , هما حركتان صوفيتان أيضاً .
وهذه هي مواقف السابقين من أئمة التصوف في الوقوف أمام التيارات المعادية للإسلام والتصدي لها وكما كان لهم مواقف عظيمة في حماية الإسلام كان لهم أيضاً دور فعال في إصلاح المجتمع وتنشئة جيل صالح من العلماء والمريدين وأعظم مثال على ذلك هو منهاج الغزالي لإيجاد جيل جديد من العلماء والصالحين .

هكذا كانت حقيقة التصوف والتصوف هو علم شريف ومستمد من الشرع وقائم على الشرع ولا يخرج عن الشرع قيد أنملة وهكذا بقيت مسيرته وفي القرون المتأخرة بدأت مسيرة التصوف تتغير وذلك بسبب دخول الأدعياء في صفوف الصوفية الكرام والأدعياء هؤلاء هم الذين أرادوا أن ينالوا ما ناله رجال التصوف الذين مر ذكرهم لكن دون تعب ودون بذل ودون مجاهدة وكانت نفوسهم أضعف من أن تفني في حب الله تعالى فلم يجدوا سبيلا لذلك إلا الدخول في التصوف فأخذوا بالقشور وتركوا اللب والأصل وسموا أنفسهم بالصوفية بل والبعض منهم تصدر للمشيخة واتبعه المريدين فهلك وأهلكهم .

ويتحقق فيهم قول الله تعالى(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) ( المنافقون : 4 ) ، ويتجلى في قول العالم الجليل الفاضل الأمام السيوطي رحمه الله تعالى : ( إن التصوف في نفسه علم شريف وإن مداره على أتباع السنة وترك البدع وعلمت أيضاً أنه قد كثر الدخيل فيه من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم فأدخلوا فيه ما ليس منه فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع ) . كتاب تأييد الحقيقة العلية للسيوطي ص 57.

فراحوا يحرفون في هذا العلم ويغيرون في قواعده ويدسون في كتب القوم ما يناسب أهوائهم وحتى يجدون ما يستدلون به على أفعالهم وسوء أحوالهم ويبررون مخالفاتهم للكتاب والسنة ، فوضعوا الدسائس في كتب القوم ومن أكثر الذين دس في كتبه من العلماء هو الأمام الشعراني رحمه الله الذي كرس علمه وكتبة لمحاربة هؤلاء الأدعياء ولما صار لهم عقبة وعليهم نقمة دسوا في كتبة وأدخلوا فيها ما خالف الشرع .

واسمع إلى قوله يقول شيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن : (ومما منَّ الله تبارك وتعالى به علي صبري على الحسدة والأعداء لما دسوا في كتبي كلاما يخالف ظاهر الشريعة وذلك لما صنفت كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود وكتب عليها علماء المذاهب الأربعة بمصر وتسارع الناس لكتابته فكتبوا منة نحو أربعين نسخة غار من ذلك الحسدة فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي واستعاروا منة نسخته وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة ومسائل خارقة لإجماع المسلمين وحكايات وسخريات عن جحا وابن الرواندي وسبكوا في ذلك غضون الكتاب في مواضيع كثيرة حتى كأنهم المؤلف ثم اخذوا تلك الكراريس وأرسلوها إلى سوق الكتب في يوم السوق وهو مجمع طلبة العلم فنظروا في تلك الكراريس ورأوا اسمي عليها فاشتراها من لا يخشى الله تعالى ثم دار بها على علماء الجامع الأزهر فأوقع ذلك فتنة كبيرة ومكث النادي يدورون في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة وانتصر لي لشيخ نصر الدين القاني وشيخ الإسلام الحنبلي والشيخ شهاب الدين بن الحلبي كل ذلك وأنا لا اشعر فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر واخبرني الخبر فأرسلت نسختي التي عليها خطوط لعلماء فنظروا فيها لم يجدوا فيها شيئا مما دس هؤلاء الحسدة ) لطاف المنن ج 2 ص 190 .

وكذلك ما دس في كتب الشيخ محي الدين العربي رضي الله عنه وقد ذكر العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفي وصاحب أكبر موسوعة في الفقه الحنفي : (أن الراجح عنده بالنسبة لما ورد في كتب الشيخ محيي الدين بن عربي مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه ولذلك تجد نص عبارة صاحب الدر المختار ج 3ص 303 : ولكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها علي الشيخ قدس الله سره) .

بل إن ابن تيمية نفسه يعترف بالدس على السيدة رابعة العدوية حيث يقو ل: (وأما ما ذكر عن رابعة عن قولها عن البيت الحرام انه الصنم المعبود في الأرض كذب على رابعة المؤمنة التقية) ، وذلك في كتاب مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية ج 1ص 80 .

وهذه الفترة مابين القرن الخامس الهجري وحتى القرن العاشر تحرفت الكثير من علوم التصوف ودخلت فيه من العلوم الأخرى ما شوهته وأكثرت من أعداءه ولكن هيهات هيهات أن يستطيعوا أن يغيروا هذا العلم ففي كل زمن يهيئ الله لهذا العلم من يجدده ويذود عنه ويدافع عنه . 

قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عن الصوفي : (إنَّ سالك سبيل الله قليل والمدعي فيه كثير ونحن نعرفك علامتين له:

الأولى : أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة على توفيقاته إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما إذ لا يمكن سلوك هذا السيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها . 

والثانية : لا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل فكيف يصل إلية من أهمل الفرائض ).

وجزا الله ساداتنا العارفين الذين وضعوا لنا قواعد وأسس تكون حجة على هؤلاء الأدعياء وإليك بعض هذه القواعد من أقوالهم رضي الله عنهم :

فهذا هو سلطان الأولياء والعارفين سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله يقول : (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة هي زندقة , طر إلى الحق عزَّ وجلَّ بجناحي الكتاب والسنة ادخل عليه ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك العبادات المفروضة زندقة وارتكاب المحظورات معصية) . الفتح الرباني ص 179 .
ويقول: (كل باطن خالف ظاهراً فهو باطل).

وهذا الشيخ أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر باذي رحمه الله يقول: (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الهواء والبدع , وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق , وحسن صحبة الرفقاء , والقيام بخدمتهم , واستعمال الأخلاق الجميلة ,والمداومة على الأوراد , وترك ارتكاب الرخص والتأويلات , وما ضل احدٌ ف بهذا الطريق إلا بفساد الابتداء يؤثر في الانتهاء) , طبقات الصوفية ص 488 .

وقال سيد الطائفتين العارف بالله أبو القاسم الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى : (الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته ,فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه) , طبقات الصوفية ص 159 .

ويقول : ( من لم يحفظ القران ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ).
وورد عن العارف بالله الشيخ أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى أنه يقول : (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة) .

ويقول أبو الحسن الشاذلي رحمة الله : (إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف وقل لنفسك أنَّ الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها علي الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي تبين إن الاستقامة على الشريعة المطهرة هي أفضل من أي كرامة) .

وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري رحمه الله : (أصول طريقتنا ـ أي منهج الصوفية ـ سبعة : التمسك بالكتاب , والاقتداء بالسنة , وأكل الحلال , وكف الأذى , وتجنب المعاصي , لزوم التوبة , وأداء الحقوق) . 

وقال أبو حفص احد كبار الصوفية : (من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال) . 

وورد عن العارف بالله الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى أنه يقول : (قد درج أشياخ الطريق كلهم على أن أحداً منهم لا يتصدر في الطريق إلا بعد تبحره في علوم الشريعة) . 

وقال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثاً عن الصوفية : ( جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه , وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره , فهم الغياث للخلق , والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق . صفَّاهم من كدورات البشرية , ورقَّاهم إلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية , ووفَّقهم للقيام بآداب العبودية , وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية , فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف وتحققوا بما مَنَّة سبحانه لهم من التقليب والتصريف , ثم رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار , ولم يتَّكِلوا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال , علما منهم بأنه جلَّ وعلاَّ يفعل ما يريد ويختار من يشاء من العبيد , لا يحكم عليه خلق , ولا يتوجه عليه لمخلوق حق ثوابه ابتداء فضل , وعذابه حكم بعدل , وأمره قضاء فصل ) . الرسالة القشيرية للأمام أبي القاسم القشيري ص2.

ونتيجة ظهور هؤلاء الأدعياء وتربع الكثير منهم على عروش التصوف وتصدرهم للمشيخة فتح أبواب العداء للتصوف فظهر من يحاربه ويحاول النيل منه متخذا من هؤلاء وسيلة للتحقيق غاياته ومن أسوء ما أدخلوه في هذا العلم هو بعض العلوم التي أخذت من الأمم الأخرى كعلوم السحر ولشعوذة والزندقة والفلسفة المنحرفة فهم عندما عجزوا عن التحقق بما تحقق به السادة الصوفية الذين أظهر الله على أيديهم الخوارق والكرامات التي قوت ثقة الناس بهم وأيد الله بها مناهجهم فاتبعهم الناس .

ولكن الأدعياء محرومون من هذا فكان لابد من التشبه بأحوال الرجال فاستخدموا هذه العلوم والخزعبلات والخرافات والشعوذات من أجل إيهام أتباعهم بأنهم أولياء مقربون من الله أعاذنا الله منهم ولقد تبين من خلال ما مضى من بحثنا أن التصوف هو علم جليل وعظيم ولكنه ابتلي في الآونة الأخيرة بثلة من المتصوفة الذين دخلوا فيه وهم ليسوا منه . كما ابتلي الإسلام بالمنافقين في أول ظهوره الذين أبطنوا الكفر واظهروا الإيمان .

وكما قيل لكل قاعدة شواذ . والعجب كل العجب أنَّ الكثير من أعداء التصوف راحوا يتكلمون عليه من خلال هؤلاء الأدعياء وهو منهم براء , وهذا ظلم عظيم .

وما مثل التصوف إلا كمثل باقي العلوم الأخرى , فقد دس في علم الحديث من ليس من أهله فدسوا الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلك وكذلك علم الكلام والعقيدة والسير والتاريخ والفقه وغيرها من العلوم . فكذلك التصوف ابتلي بالأدعياء كما ابتلي غيره لكن ميزان التصوف أصبح واضحاً وحقيقته مشرقة .

هذا هو حال التصوف بين رجاله الذين أسسوه وفق الكتاب والسنة وبين الأدعياء الذين يسعون لتشويهه لتلبية حاجاتهم وشهواتهم وملذاتهم غير مبالين بغيرهم وبنتيجة أفعالهم ونحن الآن في هذا الزمان أحوج ما نكون إلى صحوة ويقظة صوفية نعيد من خلالها التصوف الصحيح إلى أصوله الصحيحة وبحاجة إلى مرحلة تصحيحة وتجديدية للتصوف فنخرج منه ما ليس منه مهما كلفنا ذلك لأننا نرى بأعيننا كيف أن أعداءه يحاولون مسحه من الوجود والتصوف مدرسة كبرى في حياة المسلمين لا يمكن إلغاؤها بجرة قلم، بل يجب الإفادة من صوابها وعرض ما سوى ذلك على الكتاب والسنة المطهرة .

ولذلك ينبغي على أهل التصوف العلماء منهم والحكماء والمريدين والسالكين أن يبادروا إلى إصلاح التصوف من داخله حتى يلحقوا بالركب المبارك - ركب الصحوة : صحوة أهل السنة والجماعة – يلحقوا بركب الصالحين الذين أسسوا هذا العلم وإن لم يفعلوا فسيبقى التصوف بهذا الشكل الذي نشاهده اليوم ، غائب بين الأدعياء والصالحين .

واعلم أن الناس من أهل التصوف قد انقسموا قسمين :

القسم الأول :
قسم يسعى للتصحيح : وهؤلاء جزاهم الله خيرا على مرادهم فهم يسعون جاهدين لإظهار حقيقة التصوف فراحوا يبادرون للعلم الشريف والسلوك الصحيح متمسكين بالمنهج الصحيح الذي يبيناه باذلين في ذلك كل جهودهم وأنفسهم وأموالهم وقد كثروا في هذا الزمان وانتشروا في أصقاع الأرض فالذي يتفكر وينظر ويبحث في التصوف يراه ينتشر انتشارا عجيبا وكبيرا في العالم الإسلامي ونرى الكثيرون يتوجهون إلى التصوف توجها كبيرا وخاصة على شبكة الانترنت وهناك المئات من المواقع التي تتكلم عن التصوف بالشكل الصحيح وهناك العشرات من العلماء الذين يتبنون هذا العلم العظيم ونرى المؤلفات الصوفية في كل يوم تنشر وتطبع والحمد لله وهذه بشارة خير وكلنا ينبغي أن نلحق بركب هؤلاء ولا نستحي من الحق حتى على أنفسنا فهناك الكثير من الطرق الصوفية دخل فيها ما لا يوافق الكتاب والسنة وما لا يوافق منهج الصوفية فينبغي أن نتخلى عنه مهما كلفنا ذلك فعلى عقلاء التصوف وعلماء التصوف أن ينقوا صورته التي شوهت كثيراً، وأن يبادروا بحركة الإصلاح وإعادة هذا التصوف إلى وجهه الصحيح وجذوره الأولى و إلا فالفناء حق عليهم وركب الصحوة سائر في طريقه إليهم .

القسم الثاني :
قسم يسعى للتبرير: وأقصد بالتبرير ( يعني يخلقون الأعذار والحجج الواهية لإثبات منهجهم وإلصاقه بركب الصالحين وبمنهج المتصوفين ) .

وهؤلاء ينقسمون لثلاثة أقسام هم : 
أولا : الغارقون في البدع والمخالفات هؤلاء هم مخلفات الأدعياء الذين يتنعمون بأتباع يفنون أنفسهم في خدمتهم ويبذلون أموالهم في سبيلهم ويعظمونهم ويقدسونهم ولا يخالفون لهم أمرا فكيف يتركون هذه النعم ويرجعون إلى الطريق الصحيح طريق الزهد والتواضع والخضوع لله إن هذا صعب على أنفسهم كما كان الإسلام صعب على زعماء مكة كيف يخضعون ويأتمرون .

ثانياً : الضعفاء الجاهلون الذي تصدروا للتصوف والمشيخة وهم لا يعرفون منه إلا الرسم والقشور وقد نشئوا على هذا واستقرت أحوالهم فلا يتكبدون صعوبة التصحيح والرجوع للعلم والعمل .

ثالثاً: الدخلاء والأدعياء الذين دخلوا التصوف للنيل منه فدخولهم بقصد التحريف كما دخل الكثير من المجوس واليهود في الإسلام في عصر الفتوحات بقصد النيل منه والدس فيه وهذا هو حال التصوف صراع دائم بين أهل التصحيح وأهل التبرير وهناك من يتربص بكليهما وهم أعداء التصوف من المستشرقين ومن أدعياء السلفية وغيرهم ونصيحتنا الأخيرة لأهل التصوف أهل التصحيح أن يبذلوا قصار جهدهم في النهضة والصحوة واليقظة لتجديد وتصحيح التصوف ونسأل الله أن نكون منهم ومن أتباعهم وخدامهم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .

.